الأحد، 1 أبريل 2012




تجلّيــات  المكـان
في ديوان " ألجأ إليك " لإلهام زوريق

                                                         د مسلك ميمون
استهـــــلال:
" ألجأ إليك " الدّيوان الثاّني للشّاعرة إلهام زوريق بعد ديوانها الأول "رغم أنف أبي" سنة 2005 بل تلاه ديوان ثالث " جسدي ريح عابرة " و قد صدرا معاً في نفس السنة 2012 عن مطبعة الوراقة الوطنية ــ مراكش ، و إذا كنّا نهتم بالدوان الثاني في هذه الدراسة ، من حيث تجليات المكان ، فإنّنا نرجئ الحديث عن الديوان الثّالث إلى مقالة أخرى بحول الله .
" ألجأ إليك " ديوان متوسط الحجم ،في لون ضارب إلى الصّفرة إلى بني فاتح ، يعتليه بالأسود اسم الشّاعرة ، و تتوسطه صورتُها و كأنّها خلف حجاب شفاف ،و في الأسفل، و على مستوى العنق من الصورة ،كُتب عنوان الدّيوان : " ألجأ إليك "بالأحمر القاني ، و بخط مغربي محاط بالبياض . أسفل منه، كلمة " شعـــر " بالأسود يليها " الطبعة الأولى ــ 2012 "في الوجه الثّاني للغلاف ، سيرة أدبية و مهنية للشّاعرة ، كُتبتْ عَناوينُها بالأزرق على اليمين، و في أعلى اليسَار صورة قاتمة  للشّاعرة و هي تُلقي شِعراً .الدّيوان يَضمُّ عشرين قصيدةً ، أُهدي إلى السّيدة بلكوش مَليكة ، تَتصدّره كلمة  للنّاقد عبد الرحمن الخرشي .
" ألجأ إليك " كعنوان ، نَستشفّ منه ، أنّه ،لا يكون اللّجوء إلا لذات حاضنة، أو مكان آمن، يجد فيه الإنسان راحته ، و متعته ، و هدوء نفسه ..هروباً من مكان آخر، انعدم فيه الأمنُ الرّوحي، و الاطمئنان النّفسي... فتبادل الأمكنة، و تغييرها و اللّجوء إلى بعضها رغية نفسية،و مطلب حيوي ،لاستمرار التّوازن، و الاستقرار في الحياة.و قد يحدث هذا دَرءً للملل،و تغييراً لحالة الروتين اليومي ، الذي يجعل الحياة متلبدة كالحة ، مُنفرة خانقة .. و كأنّها تفقد حيوية استمرارها، و دواعي عيشها و انتعاشها .. فتأتي الرّغبة  مُلحة  في تغيير المكان ، بحثاً عن مكان مختلف بجغرافيته و عُمرانه، و حيوانه ونباته ، و مجاري أنهاره و ينابيعه ، و شمسه و هوائه ، و ثقافة أهله و تراثه ... ممّا يحدث رصيداً فكرولوجياً في الذاّكرة الشّاعرة ، تعود إليه من حين لأخر،  لتستطيب رؤاه ، و تستلهم ذكـراه ...
في هذا الديوان، يصادفنا المكان بكلّ دلالته و تجلياته،و رمزيته، و إيحائه : ( كندر دايك Kinderdijk، لاهاي  La haye،تيسلْ Texel، لبنان، وجدة، السّعيدية، أزكرْ ، الصويرة ..) كلّ هذه الأماكن تجمّــعت كمضمومة من الرياحين تفوح بعطر مختلف ، و تبوح بأسرار و خبايا نفسٍ عَطشى  لــــــــــــــدلالات الموجود على الأرض، و فضاءات جمال المكان كما يرى غاستون باشلار[1]. و لمعالجة تجليات المكان في هذا الديوان،ينبغي أن نعلم أنّ المكان في النّص الشّعري أو الأدبي عامّـة ليس حتماً و بالضرورة ذاك المكان المعماري الهندسي الطبوغرافي..الذي يُشكّل جغرافية معينة على البَسيطة . بلْ يحدث أن يكون مكاناً خاصّاً ، بمواصفات لا صلة لهـا بما هو فتوغرافي أو تَخطيطي..و إنّما مكان ما ، تحدّده نَسقية التّعبير الفنّي، و وشائج القرب النّفسي التّفاعليّ و من ذلك :

أ ـــ المكــانُ النّفســي :

 و تمثله أوّل قصيدة في الدّيوان " كَسّرتُ المَحارة " المحارة أو ( القوقعة ) هنا ، ذلك السّجنُ النّفسي المُغلق ، الذي لازمته الذّات الشّاعرة ، طوعاً أو كُرهاً فترةً من الزّمن. لم يكن لها خيار أو بديل .. إلا استجماع رصيد من الجُرأة و الشّجاعة لتقولَ في الوقت المناسب للثّورة و التّمرد:[كسرتُ المحارة/لم أكنْ أتوقّع أنّي،/سَأجتازُ الحَواجز ساخرةً،/كلّ الأشياء التي أَوْقَفتني / زمناً / عادتْ بغيرِ ظلال ] و تَكرّر هذا المقطع ثلاث مرات ، تأكيداً على الفعل الذي لم يكن متوقعاً، نظراً لمحاصرة المكان و انغلاقه : " المحارة" في انطباقها على الذّات الشّاعرة حتّى لا مناصّ و لا مفر ، بَلهِ التّفكير في الخَلاص..و لكنّ ذلك تَكسّر في لحظة عناد و مكابرة..فكان هروب الذّات الشّاعرة إلى مكان بلا ملامح ، و لا معالم ، مكان نفسيّ، ترتاح و تطمئن إليه ذَاتها المتوترة ، فتقـــول: [ هَربت ُإلى حيثُ يَحلو للرّيح الصَّمت ،/أَختلي إلى نَفسي،/ أنهلُ منْ مَنابع لا يَطرقها الطيرُ،/ أُلَمْلمُ أَذيالَ فَجر،/ كادَ يَحتضر. ]ص13
و إذا كانت المحارةُ مكاناً نفسياً ضاقتْ به ذاتُ الشّاعــرة فتمردتْ و ثارتْ.فقــد يأتـــــــــــي المكانُ النّفسيّ بديلاً للأوّل، الذي كان مصدر الهروب و النّفور ، و مَوئل الضّجر و المَلل ...و بنفسِ الوتيرة ، و بدون معالم مُميزة ، كالذي نجدهُ في قصيدة " تراتيلُ عِشق " نجدُ أنفسنا في مكانٍ نفسي خالص، كلّ ما نعرفُ عنه ومضات لا تحدّده، و لا تصفه .و إنّما تُلمّحُ تلميحاً  مقتضباً : [ أسيرُ / إلى حيثُ لا وهمَ و لا سواد/ أفتح الزّمن المَقبور/ تحتَ غِمار الهذيان،/أُدير رحىً / باغتتها رياحُ الصّمت / ذات مساء] ص 20 . مكانٌ هُلامي ، لا يمكن تَصوّره إلا إذا ربطنا هذا بتاريخ و مكان كتابة القصيدة ( الصّويرة في 04/02/2006 ) و يبدو أنّ نفسيةَ الشّاعرة ترتاح لمياه الوديان، كما هو في قرية كندر دايك  Kinderdijk بهولندا. و أمواج البَحر كما هو في المدينة السّاحلية الصّويرة في المغرب .فكلّ القصائد التي كُتبتْ في هذه المدينة، مدينة الريح و الأمواج ــ كما تُعرف ـــ إلا و تُعبّرُ على ارتياح و اطمئنان للمكان،بدلَ الأخر،و هذا يتجلى في النّصوص التّالية:( شماليلُ مُتقاطرة ) تقول الشّاعرة : [ غَادَرتني/جُبّةُ السّكون،/ تَقاطرتْ مِنّي شَماليلُ / اسْتباحتْ نَفسها المَشروخَة لعقيان اللّيل./ أَنْتشي / بضحكات مَصلوبة / على بوابة الصَّدى ] ص22 ،و في قصيدة (أناملُ تعبثُ بالقمر ) نَقرأُ التّالي : [ أشرعتُ أَبواباً ثَملتْ بصمتٍ معتّقٍ / غَنيتُ أغنية ، أَزاحتْ دفئــــاً جَموحاً ، قدْ سَالَ مَوجه، / على أديم الحَديقة ./ أَنْدسّ بينَ حَنايا الموج العَابر.] ص23 و في قصيدة (السّعيدية) و هي بلدة ساحلية على البحر الأبيض المتوسط إذْ جاء في النّص:[ يأخذني عِشْقكِ راكعةً ،/ يجتازُ صدى منفلتاً...تَجترني / خَمرةٌ عاشِقةٌ / نحوَ جدائلكِ الوَسنى، / تَعتّقتْ في ربيع فُصولك ،/ تذيب حمرتك المُخضبة بسفر الانشراح،/ تَنسلّ من بين أَناملي/ضَفائر وَرد / و أَطواق يَاسمين ] ص37
كَما نَجد المَكان النّفسي مَلجأ و مَوئلاً ،تَلجأُ إليه الشّاعرة ، ابتعاداً عن واقع لا يُطاق ، تَأُزّه الألامُ ،و الأحزانُ كالذي نجده في قصيدة (مرفإ النّسيان) و كما يبدو، فهو مكان وهميّ، أو نقول إنّه مكان مجازيّ ...ارتأتِ الشّاعرةُ تَأثيثَهُ لتَصريفِ هُمومها ، و امتلاك نفسيتها وراحتها،إذْ تقول : [ هيَ الأحزانُ، تَندفعُ/تَتسابقُ/ نَحوَ رَدهات/ أَرهَبها وَجمُ السّؤال،/ تَجتاحني/ سَيلاً ثائراً / أَدخلهُ بُركانَ الأمان، / أُهَدْهدُ/ لحظاتِ عُبوره / نَحوَ مَرفإ النّسيان ]ص35 ونَفسَ الشّيء نجدهُ في نَص : ( حديقة الظّلال ) إذ تقول : [ بِصمتٍ حَزين/ أَتهادى في سُكون/ إلى حَدائقِ الظّلال المَديدَة /تِلكَ التي / تُطوقها الأحلامُ/ يَمتدّ بي المَسيرُ / نَحو تَراتيل مَوهومة ] ص54/55
 بيدَ أنّ المكانَ الأخر يبقى دائماً مصدرَ أَلمٍ بِأيقوناتِه، و ذِكرياتِه الحَزينة ، تقولُ الشّاعرة : [ بَعيداً عنْ حافةٍ مُترعة أَيقونات/ مُضرّجة/ أَلماً ..]ص20 أو قولها أيضاً [ مِنْ بَين ثَنايا القَلب / تَسرحُ أَسْراري/ مَاسَتْ ظِلالا/ في مِحْرابِ العُمر / أَرْهقتْ تَضاريسَه أَسرابُ الآلام ] ص 34

ب ـــ المكانُ المَلْجأُ :

 و تُمثله في الدّيوان قصائد منها قصيدة : كَنْدَر دَايك  Kinderdijk ، قرية هولندية تضمّ تسعة عشر طاحونة يعود تاريخها إلى 1740م منتصبة علي ضفاف أوديتها ، تَسقي مُروجها الخَضراء و تُضفي جَمالا أثرياً ، و حضارياً يُذكر بأجيالٍ ـ، و أَنماطٍ منَ الحياة .. هذا المكان الهادئ السّاكن  الوديع ..الذي تَمرحُ فيه الرّيحُ ، والطّواحنُ المائية ، و تَمتدّ المروج المُتراميةُ الأطراف ، و تَتناغمُ  الأشْجار ، و الطّيورُ و الوديانُ ...جاءتْهُ الشّاعرةُ مَهمومة حزينـة ، مُثقلة بالضّجر .. فتخاطبُ طيورَ القرية : [ أيّتها الطّيور / كيفَ السّبيلُ إلى مُعانقةِ الرّيحِ المَفتوحَة على المَدى ؟/ أَقتفي صَليلاً ممتداً على سَجادةِ الصّمت،/ أُسايرُ حُلمي المَبحوحَ /أَنْزوي،/ أُدثّرُ أَلماً / سقطت منّي أشلاءٌ / قبلَ أنْ يُفضي بي الحَنينُ إلى السّكون ] ص17 و تُخاطبُ القريةَ السّاحرة بما يُشبه البَوح:[ أَستلُّ نَفسي/أَنسابُ عَبرَ مُروجك/ هيدباً مُتدلياً /أَتَيتك / كنْدر دايك/ مثقلةً جراحاً / أدوسُ هموماً / صحّرتْ شَمْسُها تَاريخي ] ص17/18 و يَكونُ للمكان أَثَره الجَلي في تَغيير نَفسية الشّاعرة ، و بثّ آمال جَديدة ، و رُؤية مُختلفة ، لِمَا كان، و ما ينبغي أنْ يكون ، فتقولُ بإشراقة تَفاؤل و أَملٍ، في خطاب للقرية دائماً : [ تُهدهِدُني أَشجاركِ /طيركِ /وديانُكِ/ إيقاعات تتزاحم حاملة غوايتي المُشرعة،/ طواحينكِ/ جناح ريحٍ/يأخذُني / إلى حَيثُ يُعيد بنائي/ تجهض فيض آلامي/ لأعْلنَ حَياتي/ بِعودةِ وَميض تَشجّر في رأسي / خيط شعاع ] ص 18/19
و تتكرّرُ صورةُ  المكان المَلجإ في نصّ  " لاهاي ، تقسيمةُ سَلام " لاهاي La haye ، أو دانهاخ Den haag الهولندية، حيث محكمة العدل الدّولية، و الحمامة التي تحْملُ غصنَ زَيتون، و شعلة السّلام، و التّماثيل المعبّرة ، و صَليل نَواقس الكَنائس، و ورود التُّوليب ..في هذا المكان المختلف جداَ عنْ حَواري مُراكش وفضاءاتها ..وجدتِ الشّاعرةُ بَعضاً من نفسها و راحتها.. فقالتْ مُخاطبة لاهاي La haye: [ بينَ سِفرِ الحَنايا /أذوبُ في أَزقتكِ،/ حاملةً معي/ فَرحي / عَبثي/ و بعضَ الأحْزان ..] ص38 ، لكنّ الانتشاءَ بروعةِ المكان ، و مآثره ، و معالمه ..لم يفقدِ الشّاعرةَ الإحْساسَ بِرمزيته و دَلالته...فالمدينة التي تَضمّ مَحكمةَ العدل الدّولية ، لمْ تُحقق العدلَ،و لا الأمنَ، و لا السّلامَ..لهذا قالتِ الشّاعرة:[ سَأنْشرُ ثلجَ الخَواء فوقَ بِساطكِ ،/ أَرمي بِه / حَبّات بَرَد / تَطويهـــــــــــا سُجف الوهم./ حَبّةً حبّة / تَخمدُ في سُكونِ الريح غُصناً/ قُدّ باسم الحرية خديعة ..]ص39 إلى أنْ تقولَ بِيأسٍ و حَسرةٍ : [ فَتّحوا عَينيكِ على سَيلٍ جَريح/ انْسلّ من بين حنايـــــــتا حُلمٍ ضَرير،/ توشّحت أنّاته ريحاً/ قدْ أحرقتْ خُضرةً / تَوضّأتْ بِوهج أزهارِ التّوليب/ فلا حَمامة/ و لا غصنَ زيتون /لا شُعلة سَلام/و لا يَدَ تصافح يداً .]ص40 و كلّما اشْتدّتِ الأَحزانُ ، و ادْلهمّتِ الكروبُ ، و جَاشتِ النّفسُ ..كَثُرَ البوحُ الحَزين ..و لا تجدِ الشّاعرةُ إلاّ المكانَ تَبثّه لوعةً و اشتياقاً،أو ضجراً و مَللاً..كما هو في نص (أُناديكِ أيا وَجدة )[2] [ أناديك أيا وجدة ،/ كلّما هبّ نسيمكِ المَنثور / عَلى عَرش المَدى / أزرعكِ شَتلاتِ حبّ / و حَنين فَائح ] ص51 و نَفسَ الشّيء يَتكرّر في نَص( أَزكرْ ، حُلمٌ يُعتّقُ خَمرتي العاشقة ) [3] و كذلك في نص ( جزيرة تيسل Texel )  
[4]
ج ــــ المكانُ مَسرحُ الحَدث :

   أحيناً لا يكون المكانُ مَصدر هُروب حَقيقي ، لأنّ لا أحدَ يهربُ منْ وَطنه إلا ليعودَ إليه . و لا يكون دائماً مصدر أمان و اطمئنان لما ينتابه من فوضــى و عدم استقرار و استتباب للأمن من حين لأخر ، و لا يكون ملجأً تأوي إليه النّفوس المّكلومة ... بلْ يحدثُ أنْ  يكون فقط، مسرح حدث ما .. كما هو في قصيدة ( لبنان ، جنازة مثقلة ألماً ) تَسجيلٌ فنّيّ للحرب الضّروس التي دارتْ بينَ حِزب الله و القُوّات الإسرائلية الغاشمة، و التي كان من آثارها تَدمير الجَنوب اللّبناني ، دُونَ تَحقيقِ انتصار لِلْعَدو ..أو تَمكنه من الاستلاء عَلى الأرض. فلـولا عنوان النص، لاستحال على القارئ العادي معرفة مكان مَسرح الحدث،و إن كانت هناك إشارة مضيئة، في هذه العبارة : [ تَصْرخُ خَمائلُ الأَرزِ و العَوسَج ] ص 32 . فالأرز، رمز لبنان ،و أيقونة دالة في عَلمه .

د ـــ المَكانُ كَبُعدٍ أيْقوني

       و نَعني بذلك ــ و خلافاً لما رأينا ــ أنّ المكانَ في نصوص الدّيوان قدْ يُصبح أيقونة ليس إلّا، تُحدّد مساراً إشارياً دالاّ،و تَنبثقُ عنْ نَسقية منَ التّعبير المجازي، الذي يحقّق مجــالاً مــــن التّخييل الشّاعري ، لمكانٍ يَنأَى عنِ التّحديد ، و التّوصِيف..و لكنْ يحقق قَدراً من الرّاحــــــــة و الاطمئنان للذّاتِ الشّاعرة ..و هذا ما نَلمسُه في نَصّ (أَلجأُ إليك) الذي اختير عنوانه،كعنـــــوان للدّيوان .و يُمكنُ تَحديدُ المكان الأيقونيّ في الأسْطر الشّعرية التّالية:[ أَلجأُ إليكَ / على حافةِ الزّمن الفَالتِ/تَلمّسَ قَلبي / طريقاً...على بُعد غَسق إلا ربعاً حيثُ/جلستُ/ أُهدهدُ شَبحَ الرّغبات العَابرة ...أَلجأُ إليكَ طائراً.. يَحطُّ / بَينَ أَنغامٍ شَاردةٍ .. أَلجأُ إليكَ / عِندما تَحملُني الأقدارُ خارجَ مِحراب الزّمن .. طيفكَ يَرتمي/ عَلى عَتبة اللّيل البَهيم ..أَلجأُ إِليكَ / عندما يَحترقُ القَلبُ / عَلى زُبْيةِ عِشقٍ ..أَنْطفئ عِندَ أَوّل رَصيفٍ / شَنقتُ على حافتهِ / صَرختي الثّائرة .. كُلّما عبرتُ سُــــــدّة الرُّوح مُنْتصراً/ أيّها الشّعرُ / أَلجأُ إليكَ ] ص 57/58/59/60

خلاصـــة : لَعبَ المكانُ دوراً أساسياً في صياغةِ قَصائدِ الدّيوان . و قدْ لجأتْ إِليهِ الشَّاعرةُ ، كَوسيلة لِلبَوحِ .. فكانَ مَكاناً نَفسياً لا صلة له بالواقع تارةً ، و مَكاناً واقعياً بأبعاده و حدوده تارةً أُخرى . بلْ جاءَ مَسرحاً لِحدثٍ ما،أوْ أَيقونَة دَالة ..و في جميعِ الحَالات ، كانَ هناك تَرابط وَطيد بَينَ الذّات الشّاعرة ، و تجليات المكان بمختلف أبعادها...

د مسلك ميمون



[1]   ــ Gaston. Bachelard : La Poétique de l éspace. Paris.Ed Puf,1957
[2]  ــ مدينة وجدة في أقصى شرق المغرب، تزورها الشاعرة من حين لآخر لزيارة عمتها.
[3]  ــ "أزكرْ" منطقة جبلية جميلة توجد بنواحي أمزميز / جهة مراكش
[4]  ــ تيسل : Texel أكبر جزيرة تقع شمال هولندا ضمن أرخبيل  Waddeneilandey.



الفلسفيّ و الصّوفيّ في ديوان:" مقامات الوله "
للشّاعر : عبد الله الطنّي

 د مسلك ميمون
استهلال


ديوان:"مقامات الوله" للشّاعر عبد الله الطنّي،جاء و كأنّه يعيد السّؤال القديم ضمنياً،الذي مفاده:ما علاقة الشّعر بالفلسفة؟ سؤال أثار جدلا منذ القديم. بل مازال إلى وقتنا في نطاق الحداثة، و بخاصّة،حين تُنشر أعمال أدبية، شعرية و يكون أصحابها في صلة بالفلسفــة إمّا ثقافة و مُثاقفة، أو دراسة و تدريساً.كما هو الأمر مع الأستاذ عبد الله الطنّي من خلال ديوانه :" مقامات الولَــه
لقد جاء في تصدير ديوان : "معلقة باريس"(1) ما يزيد هذا توضيحاً ، إذْ قال الشّاعـــر: ) استقبلتني باريس بحمولتها المشرقة.التي كانت تسكنني منذ كنت طالباً، في مرحلـــة التعليم الثانوي إلى اليوم ،مرورا بمحطات الطالب الجامعي ، و أستــاذ التعليم الثانوي إلى اليوم مروراً بمحطة الطالب الجامعي، و أستاذ الفلسفة بالتعليم الثانوي، ثم بالجامعة ، و مفتش تربوي للمادة، و منسق جهوي لشؤون تدريسها بجهة مكناس تفلالت، و كان اسم باريس يحيل باستمرار إلى تاريــخ حافــل بالإبداع الفلسفي المتميز بأسئلة الذات و المعرفــة، و الوجود،و المجتمع،و السياسة،والتاريخ العام و الخاص،و فلسفة الكينونة،و الشخصانية ، و الاختلاف، من منتــن، و ديكارت، إلى جاك دريــدا، و جيل دولوز، و بول ريكــو ، و كريستيفــا،مروراً بمونتسكيو، و ما ليرانش، و دوركــايم، و ألان و برغسون،و ميرلو بوانتي،و سارتر،و مونيه...و غيرهم من القامات و المواهب الفلسفية التي شغلتني و لا تزال .) (2)
هي فعلا شَغلته، و ظهر أثرها دامغاً واضحاً في كتابته الشّعرية (3) و مسألة بديهية أن يحدث هذا ..بل كان العجب و التّساؤل إنْ لم يكن ذلك ..إلاّ أنّ ديوان "' مقامات الوله " خلخلة في الوَعي و الفكر ، و لا شك سيثير حفيظة الفاصلين بينَ الشّعر و الفلسفة ،الذين قديماً قال بعضُهم في شعر ابن سيناء :" إنّه فلسفة في ثياب  الشّعر"  . و قالوا عن شعر أبي العلاء المعري :"  إنّه شعر في ثياب الفلسفة "                                                                          
كما أنّ الدّيوان سيدعم آراء المتحمسين لكلّ ما هو فلسفيّ في الفنّ و الشّعر بخاصّـــة، وبين الفريقين جدل كبير، ما دفع  الفيلسوف المعاصر هانس غيورغ غادامر أن يقول في كتابه تجلِّي الجميل: "إنّه ليبدو لي أمراً لا جدال فيه أنّ اللّغة الشّعرية تتمتع بصلــة خاصّة فريدة بالحقيقة."(4) ويتساءل غادامير: "مَنْ ذا الذي يريد أن يفصل بين الشّعـــر والفلسفة؟" ويستطرد:(5) "مع ذلك فإنّ هذا القُرب والبعد، هذا التّوتر الخصب بين الشّعر والفلسفة، من العسير أن ننظر إليه  على أنّه مشكلة خاصّة بتاريخنا القريب أو حديث العهد، لأنّه توتُّر قد صاحَبَ دائمًا  مسار الفكر الغربي. كما أنّ هناك فلاسفــــة يعتبرون الشّعر أسبق في مقاربــة الحقيقــة من الفلسفة، ذلك  أنّ " ما يقوله ويعيشــه الفلاسفة قد عاشه الشّعراء وعبَّروا عنه"، على حدّ تعبير الفيلسوف فرنان ألكييـه (6) الذي يقتتتتول أيضاً:" إنّ الشّعر، في أعلى مستوياته، ليس بخَلق، ولكنّه اكتشاف ووحي، وعودة إلى حقائق أساسية، وردٌّ واستبعاد لكلِّ المظاهر، لكي نعود إلى الوجود، وتهديم للعالتتتتتتم  المصنوع بعاداتنا ، طموحاً للكشف عن عالم أكثر صحّة، بحيث يمكن الخوف من أن تصبح الفلسفة هي التي تَنسى مهمَّتَها،في الحين الذي يظلّ فيه الشّعر وفيّاً لمهمَّته."(7)
عموماً، رغم ذلكـ ، فهو جدل مَشروع. لأنّه يُشكّل عملية إركيولوجية معرفية أيْ بحث في الدّلالة و التّصور،و التّأثير و الوظيفة في مَنشطين هما أهمّ مَناشط الفكر: الفلسفة و الشّعر، و ذلك من خلال ثنائيات: كاللّغة/ الفكر ، الجمالي / المنطقي ، الخصوصي / الكوني ، الخيالي / العقلي ، العاطفي / الصّوري ،الحسّي / الوجودي ، الصّــــــورة  ...
و لكن أنْ تجتمع أسئلة الفلسفة بعمقها الموضوعاتي..مضمّخة بمتعة الشّعــر و بعـــــده الأيقوني ... فذاك أقصى ما يُراد إبداعياً..
الديوان يَضمّ ست قصائد مطولة، كلّ منها يتكون من أجزاء و هم :
1 ــ  من أناشيد آدم أو تاسوعة الوله .
2 ــ فصوص عذرية من ديوان حي ابن يقظان .
3 ــ مدارات بلورية .
4 ــ أبواب الروح
5 ــ هلاميات مسافـر .
6 ــ  مقامات الوله

      في هذا البحث سأركز على ما أثارته القصائد من ملامح أسلوبية،و أسئلة جوهرية ، و أشير أنّ ذلك جاء في صورتين:أشياء ضمنية  تختزنها لغة القصائد و لا تفصح عنها مباشرة . و أسئلة  واضحة ، تعلنها لغة القصائد  صريحة ، واضحة.
 و لكن قبل هذا  يستحسن تحديد مصطلحات وظيفية جاءت في القصائد ، منها ما هو فلسفيّ ، و منها ما هو صوفيفمن التّراث الفلسفيّ القديم ،نجد أسطورة( الكهف ) الأفلاطونية : الكهف و قد تكرّر في القصيدة الأولى ثمــــــاني مرّات و ذلك في التّالي  :
"هاكم سري: بين الرّحلة و الكهف / أول من يكشف عن سرّ الكهف / كان الكهتتــف ظلاماً/ و أنا في الكهف مسافر/ تسحبني رائحة الكهف / تضوع باب الكهف برائحة / فاشتعل الكهف صلاة / سيعود الأحفاد إلى كهفك يوماً
و أسطورة الكهف عند أفلاطون توضيح للعالم المحسوس، و عالم المثل" إنّ حياتنا في هذا العالم،هي حياة السّجناء في الكهف،فنحن أثناءها مقيدون بجسمنا لا نستطيــــع أنْ ندرك إلاّ ما هو محسوس. وبالرغم من أنّ ذلك ،لايمثل إلا ظلال الحقيقة، فإنّنـا نتعامل معه على أنّه الحقيقة. هكذا فنحن لا نستطيع الإدراك في هذا العالم المحسوس بل يتعين بلوغها في العالم المعقول ،عن طريـــق التّحرر من قيود الحواس والجسد، وهذا ما يفعله بالضّبط الفيلسوف."
كذلك نجد من المصطلحات الفلسفية : ( الهيولي ) أو الهيولا ، و هي كلمة يونانية تعنى الأصل أو المادة، وتسمى الهيولى :الجوهر المادي. وفي فلسفة أرسطو فإنّ الشّئ، بما له من هيولي وصورة. أطلق عليه أرسطو كلمة الجوهر. ومن الجواهر المختلفة، تتكون الحقيقة. و نجد هذا المصطلح في قول الشّاعر: [ حيث كنّا في البدء، متعانقين،/ بلا شكل / و لا حلم / غير حلمٍ بالخروج / من هيولانا متولهين ] ص 118
و نكتفي بهذا و نشير لباقي المصطلحات الفلسفية  وفق مظانها في الديوان:( التّكوثرص 26/57 )،( العدم ـ ص35 ) ،( الذات ص39/40/54) ، ( جوهرص 49/56) ، ( العلة ص59) ) جواك ص 64) ، ( الأنا ص111/112
أمّا المصطلحات الصّوفية الواردة في الدّيوان ،و التي حققت السّياق الصّوفيّ  فهي : الوحدة ، و الكشف ، و المقامات ، السّكر و الإشراق ، و الفيض (8)
فبالنسبة ( للوحدة ) : وردت في أقوال الشاعر : [ " الوحدة جوهرُ كلّ الأشياء " / كيف توحّدت في شرودكَ الجميل ؟] ص 32/33 و كذلك [ يا عاشق التوله / و أصل البياض/ انسكبْ للتّوحدِ ] و[ عانق زوبعة الجهات بصدري/ توحّدْ يا صنو القمر[ ..] توحدْ ببؤرة الضّوء/ فالتّوحّد أصل الأشياء / و الواحدُ تاجُ الأسماء ] ص 52/54
أمّا مصطلح (الكَشف):فإنّ الصّوفية يعتمدونه كمصدر وثيق  للعلوم والمعارف،بل و تحقيق غاية عبادتهم.و نجده في الديوان في قول الشّاعر:[استوقفني الفجر قليلاً/ و طلوع الكشف رماني/ بضوء حيّرني] و كذلك قوله [فها قد برعم دخّان الكشف طيوفاً[ ص 18/54
أمّا مصطلح ( المقامات ) فنجده كعنوان للديوان : ( مقامات الوله )  و هو نفس العنوان للقصيدة الأخيرة التي قسّمها إلى : 1 ــ عتبة الوله ، و التي بدورها قسمها إلى خمس عتبات هي : (عتبة الصورة ، و الدخان، و الماء و الهباء ) 2 ــ و له الوجود، 3 ـ وله السفر، 4 ــ و له الرجوع، 5 ــ وله الاحتمال، 6 ــ و له السديم ، 7 ــ و له الشجر .
أمّا مصطلح ( السّكر ) فنجده في قول الشاعر : [ ها كم شطحاتٍ من سُكري / هذا الكون نشيدٌ / و أنا أسكرني الشدو/ فغنيت كثيراً ] ص 11
أمّا ( الإشراق ) و يعود لمدرسة السّهروردي فنجده في قول الشاعر : [ أكملْ طريقك نحو الشّروق / فذاك بحركَ في انتظارك] و قوله في باب الشّروق [ و إذا أشرقتَ بقلبي/ يا منبع الأضواء/ و منتهاها [..] و إذا أشرقتَ يا وضّاءَ الجبين/ بواحة عينيّ الظامئتين / و كتبتَ بضوئك َآيات طريقي/ اعلم أنّي/ سأحيا عيدَ شروقك في صبحي] ص 34/55/56
و هناك مصطلح ( الفيض) و هو أيضاً من المصطلحات الرّائجة في مدرسة السّهروردي و يعني الظهور المستمر ، و نجده في قول الشّاعر [ هاكم دوري :ناداني صوتٌ/ من حدس الفجر / يلمع ثم يفيض ] ثم [ فاضت أساميك يا ابن المخاض العسير ] ثم [ اسقني من لغة فاضت ] ثم [ عندما فاض كأس الوجود ]
و نكتفي بهذا و نشير لباقي المصطلحات الصوفية في أماكنها من الديوان : ( التّجلي 28/100/ 101 )، ( الاتحاد52) ، ( البعث85) ، ( الوجد 38) ، ( السّديم  47/ 97 /103/ 113 / 118/119 ) ، الشيخ " بمعنى شيخ الطريقة  الصوفية " 54/70/72 )
هكذا اجتمعت المقامات الصّوفية ببعض مصطلحاتها ، و المنطق الفلسفيّ بجملة من مصطلحاته لبناء قصائد الدّيوان . بغية تحقيق نسق شعري يتّسم برؤية إسلامية خاصّة،  بتنا نفتقدها في الشّعر الحديث ،وسط صخب الحداثة  الكاسحة ...
بعد هذا نعـــود إلى نسق البناء الشّعري في الدّيوان

1 ـ اللّغـــــــــــــــــــــــــــــة :  

في معظمها تجمع بين شاعرية البناء ، و سردية الحكي . بمعنى تقاطع ما هو شعري ، و ما هو سردي، في تركيب  لغوي ، يعمد إلى التّلميح ، إلى درجة  الغموض ، الذي أحسبه نتيجة المصطلحات الصّوفية و الفلسفية الموظفة في  ثنايا المتن الشّعري . و أبلغ مثــــال على مسحة السّرد نجده في نشيد العبور:( هاكم دوري: /ناداني صوت/ من حدس الفجر/ يلمع ثم يفيض/ بربك اقرأ / فكتاب الغيب بصدع بالآيات / قلت له : قرأت قرأت قرأت / بلساني هذا/ كان الكون كتاباً ، و كنت أنا / بوصلة الكون إلى المعنى / و بي يقرأ هـــذا الكون كتابيه : تلاخيصَ الغابرِ من ماضيهْ ، و تباشيــر الآتي / تزفّ إليه / استــــوقفني الفجرُ قليلا / و طلوع الفجر رماني / بضوءٍ حيّرني ، فقلت لهُ : أيُّ طريق أسلكه يـــــا مولاي؟ / همسَ الفجرُ بأذني: اتبعني / فتبعت الفجر أغني / و غنى بي الكون نشيده / و لوّح بي المقطع  تلو المقطع / ركبت براق الوصل / و سافرت بفجري ..ص17/18/19 

2 ـ الرّمـــــــــــــــز

 لقد جاءت قصائد الديوان طافحة بالرّمز و إيحاءاته و تنوع مصادره
فمن الرمز البابلي نجد (عشتار ) و ذاك في قوله :[ مزامرُ عشتار الولهى ] ص11  و هي إلهة الجنس والحب، والجمال والحرب عند البابليين.
كما نجد من الأسطورة طائر( الفينيق Phoenix)  الذي هو في التراث الأوروبي (نقلاً عن الأساطير الإغريقية ) . و في الديوان جاء قول الشاعر : [ سأُرمَى حَطباً / يتَقوزحُ دخانُ بَقاياي / و أبعثُ مثلَ طائرِ الفنيقِ/ يغشاني ولهٌ أخضر ] ص65
كما نجد من الأعلام (الخَنساء) في قوله:[ فناحت بي و بكتْ/ بعضُ دموع الخَنساء] ص 12  و هي: تماضر بنت عمرو بن الحرث بن الشريد السُلمية المعروفة  بالخنساء كانت شاعرة رثاء و كذلك نجد ( ربيعة العدوية )  وتكنى أمّ الخـير، عابدة ومتصوفة ، و مُؤسّسة أحد مذاهب التّصوف الإسلامي،  وهو مذهب العشق الإلهي. و نجدها في قوله:] أنفحةً من عبير المواعيد/ أمْ كأس شعر/ من حرف ربيعة العدوية ] ص 88
و من الرّمز الإسلامي نجد : ( البُراق ) في قوله : [ ركبتُ براق الوصل ] ص19 و( الطوفان ) في قوله : [ تجرّد لبعض اللّحظات / عن أدمكَ الغاثي /  بالبحر و الطوفان [ ص53  و كذلك ( الطين ) إشارة إلى قوله تعالى ( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ) الإسراء 61 و في الديوان تكرّرت كلمة (الطين) كرمز اثنى عشر مرة منها : [ فأنا منذُ دخولي جسد الإنسان/ و رائحة الطين الأول تَهديني ] ص14 و كذلك : [ منذ دخولي أزمنة الطين / صرت أنا و الطينُ العاشق شيئين / شيئا للفرح الآتي من ولهي/ و شيئاً للحزن الأتي من عمايْ ] ص15
و فضلا عن هذا نجد:(سورة ياسين) ص53 و(سورة طه ) ص 64 و (آيات الكرسي) و ( اللّوح الأعظم ) إشارة للوح المحفوظ ص 96 كما نجد التناص ( قدّ قميصي) ص58

3 ــ التّـكــــــــــــــرار

 كعامل فنّي يلعب دوراً هاماً في مَوسقة النّص . و يشكل و جَرْس الحروف، و التّقديم و التّأخير و التّضاد .. هرمونية الموسيقى الدّاخلية . إلا أنّه في الدّيوان جاء التّكرار علامة واضحة ،بل لافتة للانتباه : لنتأمل هذه المقاطع على سبيل المثال لا الحصر :
] انهمرت أمطار مفاتنها / زخات زخات ] ص9
]قلت له : قرأت قرأت قرأت ] ص17
]رحتُ أعاقرُ طيفي / ُنتفاً نتفاً ] ص22
]و تعودُ على رحم المرآةِ / تلاخيصُ الأشياءِ/ فلا تحزن يا آدمُ / لا تحزن ] ص24
]العراءُ حقيقتي/ العراءُ طريقتي/ العراءُ بدايتي/ و العراءُ نهايتي / و ليس بين
العراءِ و العراء / إلا سلاسلُ من كلّ الجهات ] ص29
] أرى الشاهدَ يلبسهُ المشهودُ / و أرى الموجدُ يلبسهُ الموجودُ / و أرى ما تراهُ
و ما لا  تــراهُ ] ص 42
]عانقني أكثر أكثر / يا جدعَ الفرع و فرعَ  الغصن ] ص62  
] أكاد أراه بعين البياض/و لهي بالضوء أكاد أراه[..] أكادُ أراه،أكادُ أراه]ص98 
] وله/ وله/ وله / آه كم من ولهٍ / يشفع لي أن أتجلى ] ص 101
]من فجٍ إلى فجٍّ [..] و من شراكٍ إلى شراك ] ص 106/ 107 
 4 ــ الجمل الإنشائية
:
 و بخاصّة الأمرية . و هي أيضاً من الأشياء اللافتة في الدّيوان فمثلا في"فص الإبحار" نجد الأفعال الأمرية التّالي و كلّها تتصدر الأسطر الشّعرية  [ قمْ )
وقد تكررت ثلاث مرات ) انتفضْ ،أكملْ ، قاومْ ، أبحرْ ، عانقْ ،أفقئْ ، عانق ، حلقْ ، أطلقْ ] ص 34/35/36/37
و في نص ( باب الاتحاد ) نجد التالي  : [ واصلْ ، تعطرْ ، تجرّدْ ( مرتان )، اسمّ ، اصعدْ ،اخرجْ ، اقرأْ ،  ارمِ ، عانقْ ، توحّدْ ، (مرتان) ] ص52/53/54
و في نص ( باب الاخضرار) نجد التالي:[ عانقني (مرتان) ، ضُمّه، التقطها ، اجمعْ ، اقرأْ (مرتان) ، لملمْ (مرتان) ، اعفني ،اسقني ،ارقص ، دعني ، تضوعْ ] ص 62/63
/64/65/66/67
5 ــ أسئلة التّصوف و الفلسفة في الدّيــوان :
إنّ قارئ الديوان ، و بخاصّة من له بعض الإلمام بالفلسفة الوجودية ، لسوف يقف وقفات متتالية متأمّلا متسائلا
ــ هل الكتابة الشّعرية عند عبد الله الطُني عملية إثارة و تجسيد للقلق الوجودي؟ 
ــ هل يتلبس عنده ، نبضُ الشّعر الانفعالي نَبضَ الفلسفة العقلية ؟
كلّ هذا يحقّق استفهاماً وجودياً عميقاً، يشعــر بالحركة الوجودية في صيــرورتها نحو أهدافها ، الشّاعر يرسم ،و يشكل بأسئلته الغربة الوجودية ، التي يعاني منها الإنســـان المعاصر، و بخاصّة من معاناة ما بعد الحداثة و إنتاج نظرية هدم الواقع، وبزوغ الواقع الجذري في مقابل الواقع النقدي كما يرى الفيلسوف الفرنسي جان بودريار. فالمـــــأزق الوجودي معرفيّ أساساً، و السّؤال الوجودي دال على المعنى، وأساس المعنى هو العقل،
و كما هي العادة ، بداية السّؤال فضول مَعرفي، و بحث عن الحقيقة الغائبة ، و حيرة و دهشة..سجلتُ بعض هذه الأسئلة،التي  جاءت في بعض نصوص الدّيوان،تعكس الحيرة. 
فمن نص" نشيد العبور المضمّخ بعبق التّصوف ، نقرأ:[ استوقفني الفجرُ قليلا / و طلوع الكشف رماني/ بضوء حيّرني / فقلت له : أي طريق أسلكه يا مولاي ؟ ]ص 18
و من نفس النص نقرأ :[ كان الحلمُ طويلا/ أطول من عمري / فكيف لي أن أحياه ؟  و كان الأفق بعيداً ، أبعد من بصري / فكيف لي أن أراه؟ ! ص 20
و في نص " فص الدخول" [ أن تدخل عُجب المدائن عارياً/ إلا من وله الحقيقة / فأي الحقائق تحملُ حلمك الآن /و تلف أذرعها / مثل هذا التجلي/ و هذا العراء ؟ !] ص28
و في نص "وله الرجوع " مصادف هذا التساؤل : [ هل حقا / يا أناي الغريبْ / نسيتَ أصلَ الأصل / و شقشقة البداية / و حنين المكان إليك ؟ و من أي معدن / تشكل نجمك يا أناي/ و من أي معجمٍ / جاءت أساميك  ؟ ] ص109 

خلاصة : أعتقد أن ديوان :" مقامات الوله " فتح الباب من جديد أمام جدلية الشّعــريّ و الفلسفيّ ..و إنْ كان الجدل الشّعري الصّوفي خمد منذ زمن . و أصبح التّلاؤم و التّجانس سمة الوضع بينهما . فإنّ تهميش و إقصاء الخطاب الشّعري البلاغي من جمهوريـــــة أفلاطون لم يدم إلى الأبد . لقــد أعاد كلّ من شيلر ، و شلينغ ، و شليغــل الاعتبــار إلى الشّعر و الشّعراء ، فظهر ما عُرف بالشّعر المُعقلن، أو عقلنة الشّعر ، و اكتمل ذلك مع نتشه الذي عاد إلى الفترة ما قبل السقراطية حيث كان التناغم قائماً بين الشّعر و الفلسفة، و الأمن و السّلام مستتب بينهما. و دعّم آراء نتشه الفيلسوف هيدغر الذي ذهب إلى أنّ "الشَّاعر ينطقُ بالمقدَّس الذي ينكشف للمُفكِّر، وأنّ الشِّعر والفكر يحيل كــلٌ منهما إلى الآخر." إلا أنّ الفكرة لم ترق الفيلسوف الحداثي العقلاني هابرماس، الذي رأى في ذلك تجنٍّ على العقل الذي هو قوام الفلسفة ، فعمل بدوره على طرد فلاسفة الشّعر من كلّ ما هو حداثي معتبراً إيّاهم مناقضي العقــل l’autre de la raison لكنّ ديريــدا بيَّن أنّ المنطق لا يمكن أن يتحدّد بدون البلاغة ،وأنّ الفكر لا يمكن أن يدرك بدون الشّعر، وأنّ العقل لا يمكن أن يفعــل بدون نقيضه، فكــلّ ثنائية من هذه الثنائيات هي قــدر الأخرى ومصيرها.(9)  و كأنّي بثنائية دريدا المنطقية، هي التي أضاءت السّبيل للشّاعر عبد الله الطنّي أن يغرق في الوله ، و يغرقنا في أقيانوسه  ، الذي زاوج فيه بين ما هو صوفيّ و ما هو فلسفيّ في تناغمٍ شاعري .. و إنْ كان قد  أثار الجدل من جديد ـ و لو بصورة غير مباشرة ـ و لا غرو في ذلك .. فكذلك  شأنُ الفلسفة و الفلاسفة، عبر العصور .

هوامش:

ــ ديوان " معلقة باريس " للشاعر عبد الله الطني،ط /1 سنة 2011سلسلة دفاتر الاختلاف ،مطبعة وراقة سجلماسة ، الزيتون ، مكناس
ــ نفس الديوان ص 4
ــ للشاعر الدواوين التالية : مقامات الوله ، معاقة باريس، معلقة مكناس، و يوم تبعث من رمادها الصهوات
ــ هانس غادامر، تجلِّي الجميل، بترجمة سعيد توفيق، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة،1997، ص224.
ــ المرجع السابق، ص 224.
ــ فرنان ألكييه، معنى الفلسفة، بترجمة حافظ الجمالي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، 1999 ص237
ــ المرجع السابق، ص 242.
ــ من مصطلحات التصوف : (الوحدة ، والفناء ، والاتحاد ، والحلول ، والسكر ، والصحو ، والكشف  و البقاء ، والمريد ، والعارف ، والأحوال ، والمقامات
9 ـ الفلسفة و لعنة الشعر  http://www.alawan.org/%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%84%D8%B9%D9%86%D8%A9.html

الاثنين، 20 فبراير 2012

أسلوب التّكرار في "تنويعات على باب الحاء "
للشّاعر عبد السّلام مصباح

د مسلك ميمون

استهلال :

      الشاعر عبد السلام مصباح ،ولد بشفشاون بتاريخ 21 مارس سنة 1947, تابع تكوينه بمدرسة المعلمين بسطات، وحصل على الأهلية التربوية 1972. التحق بالمركز التربوي الجهوي بآسفــي وأحرز على دبلوم السلك الأول سنة 1984.
بدأ النشر عام 1966 بجريدة العلم. يشمل إنتاجه الكتابة الشعريـــة والترجمة عن الإسبانية. نشر أعماله بالعديد من الصحف والمجلات المغربية والعربية: المحرر، الاتحاد الاشتراكي، العلم، البيان، أنوال الثقافي، الموقف العربي، إبداع (مصر)، الآداب الأجنبية ، الثقافـــة (سوريا)، الأقلام، الطليعة الأدبية، فنون (العراق)، الآداب (لبنان)، الثقافة العربية (ليبيا)، البيان (الكويت)، الملايين، أوراق، القـــدس العربي، الشرق الوسط (لندن).
ترجمت بعض أعماله إلى الإسبانية والفرنسية. وخصص لترجمته المستشرق الإسباني فرناندو دي أغريدا ثلاث دراسات قدمت في المغرب وفي إسبانيا.

ديوان " تنويعات على باب الحاء " آخر ديوان نشره الشاعر عبد السلام مصباح سنة 2011 في مطبعة دار القرويين بالدار البيضاء بغلاف سموي اللــــون من تصمي الشاعر نفسه يضم ثمانية عشر قصيدة منها قصيدتا نثر و هما اعتراف  ص 13 و بطاقات إلى المدينة الفنيق ص111 و باقي القصائد تخضع لنظـــــام التفعيلة .
و يهمنا من دراسة الديوان الجانب الأسلوبي، و بخاصة  ظاهـــــرة التكرار التي لا تكاد تخلو منها قصيدة . و قبل الخوض في ذلك نشير أن أسلوب التكرار في الشعر قديم يعود إلى العصر الجاهلــي، و مـا قالته العرب في خطبها و أسجاعها و أشعارها كما نجده في الأحاديث النبوية الشريفة ، و القرآن الكريم .. و يؤتى به لا على سبيل الإطناب و الإسهاب .. و لكن لغاية أسلوبية بلاغية :كالتحريض، أو التّوكيد، أو كشف لبس ، أو إبعاد،  الرتابة  والملل. ...
كما نجده في الشعر الحديث ، الذي جاء نتيجة ظروف موضوعية أعقبت الحرب العالمية الثانية، ففي ذلك تقول نازك الملائكة :            ( جاءتنا الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتطور ملحوظ في أساليب التعبير الشعري، و كان التكرار أحد هذه الأساليب ، فبرز بروزاً يلفت النظر ، و راح شعرنا المعاصر يتكئ عليه اتكاء يبلـــغ أحياناً حدوداً متطرفة ، لا تنمّ على اتّزان . )[i]

ففي قصيدة " حوار " للشاعر صلاح عبد الصبور مثلا، نجده قد كرر " أأنت من سكان هذه المدينة!" ست مرات ،و نزار قياني في قصيدة" الحزن"كرر علمني حبك" على رأس كل مقطع ، و بدر شاكر السياب في قصيدته " مطر" ، كرر كلمة مطر ستة و عشرين مرة. و محمود درويش في قصيدته"أنا آت إلى ظل عينيك آت"،  كرر هذه الجملــة " ست مرات .
و لأهمية التكرار الأسلوبية و البلاغية ،اهتمت به الدراسات القديمة و المعاصرة  إذ  "... يبدو تكرار العناصر المعطاة في الخطاب الواحد ضروريا لكونه يسهم في تكوينه الداخلي" [ii] و إن كان النحويون قــــد اهتموا بالتكرار فقط  من جهة التوكيد اللفظي . أمّا البلاغيـــون فقـــد أولوه عناية خاصة ،أظهرت ميزته ، و خصائصه في الخطاب الأدبي و الشعري منه بخاصة يقول د محمد مفتاح : (إن تكرار الأصــــوات والكلمات ، والتراكيب ليس ضروريا لتؤديَ الجملُ وظيفتَها المعنوية والتّداولية .. ولكنه ( شرط كمال) أو محسِّن أو لعب لغوي..)[iii] ويضيف قائلا:( ومع ذلك فإنّ التكرار يقوم بــدور كبير في الخطاب الشعري أو ما يشبهه من أنواع الخطاب الأخرى الإقناعية...)[iv]

بعد هذا الاستهلال ،ماذا عن وجوه التكرار في ديوان : " تنويعات على باب الحاء "  للشاعر عبد السلام مصباح ؟

1 ــ التكرار في شكل لازمة قبليــة :

القصيدة عند الشاعر عبد السلام مصباح، تكتب في مقاطع مختلفــــة الطول و العدد من قصيدة لأخرى، و كلّ مقطع يحافظ على لازمة ، أو مطلع يتكرر:
مثلا في قصيدة " ارتجاح العشب الأخضر " نجد أربعة مقاطع مختلفة الطول،و لكن تتصدر كلّ مطلع منها العبارة التالية:( سيدتي،من عمري الباقي جئت إليك .)
بمعنى أنها تكرّرت أربع مرات.نفس الشيء في قصيدة "عيد ميـلادك" حيث تكررت على رأس المقاطع الأربعة  عبارة ( نورستي فـــــــــي ميلادك ) ، ففي قصيدة  ( طموح ) التي تتكون من مقطعين ، يتصــدر المقطع الأول قول الشاعر :
سيدتـــــي ،
انّ طموحي محدوداً جداً / و بسيطاً جداً .. /كان طموحي /أن نختارَ اللحظات السكرى / و نناوش حلماً / يتلاطم في صدرينا .....
و يقول في مطلع المقطع الثاني :
سيدتي ، / كان طموحي / أبسط مما تتصورين، / كان طموحي مثل جميع  البسطاء / بهذا البلد.. / أن نجلس في المقهى / و نصفق للنادل / نطلب فنجانين من الشّوق / و بعض شرائح / من خبز الوقــــت...)
و في قصيدة " حلم ثان"يتكرر هذا المقطع الفعلي : ( أحلـــم ..أحلــــم بامرأة قادرة ) ست مرات .و تتكرر عبارة ( جموع الأحبة) في قصيدة "بطاقات إلى الغاوين " ست مرات .و الغريب أنها نفسها أي ( حموع الأحبة ) تتكرر أربع مرات في قصيدة  " بطاقات لأبي الجعد " بينمــا في القصيدة الأخيرة في الديوان " الطفل القدسي " تكررت اللازمـــة القبلية ( نام محمد ) إحدى عشرة مرة .

و كما تأتي اللازمة سطراً شعرياً كاملا ،تأتي كلمة واحدة كما هو في قصيـــــدة "ممثلة " إذ تكررت كلمة " سيدتي " خمس مرات. و فـــي قصيدة " سيدتي تفتح للعشق خزائنها " أربع مرات . و نفس الشيء في قصيدة " بطاقات إلى شاعرة " بينما تحقق قصيدة " مرسوم ثان "أكبــر عدد من تكرار اللازمة القبلية في كلمة  ( ممنوع ) إذ تكررت احدى عشر مرة و مجموع تكرار الكلمة في القصيدة و تصديـــــــر المقاطع بلغت ثلاثين مرة . بينما في قصيدة " بطاقات إلى المدينـــــة الفنيق " تتكرر كلمة ( حسيمة ) أربع مرات .

و هذا ما يسمى باللازمة القبليــــة ، لأنها تتصدر المقطع كجملة شعرية أو لفظة تحقق الوقع الدلالي و الإيقاعي معاً، على شكل فواصل .

2 ــ تكرار في شكل لازمـــة بعديــــة :

و هناك اللازمة البعدية ، أي أن المقاطع في القصيدة تنتهي بلازمة سواء على شكل شطر أو كلمة ، و قد تجمع القصيدة بين اللازمتين القبلية و البعدية كالذي نجده في قصيدة : ( زيارات ) ص 69 فاللازمة القبلية في هذه القصيدة هي :( كانت تأتيني ...) بينما اللازمة البعديــة فهي كلمة " تَرحلُ " و هي في  نهاية كل مقطع .و كلاهما القبلية أو البعدية ، تتكرر في هذه القصيدة خمس مرات.

3 ــ التكرار في شكل اســـــــم :

أحياناً كثيرة يكون للاسم ، أو جملة من الأسماء، أثر السّحر في قريحة الشّاعر. فيكتب قصيدة  من عدّة مقاطع ، و كأنّه يبحث عن لباس شعري لتلك الأسماء التي تسكنه، و تؤثر في نفسه ، و تثير مشاعره . و هذا ما نلمسه في بعض قصائـــــد ديوان " تنوعات على باب الحاء " لنتأمل وقع و تكرار هذه الأسماء ( سيدتي / 2، كتاباتي/2 ، منتصف/2 ،امرأة/ 3، أزهار2 ) و ذلك في قصيدة " اتهام " ص     25 و قد جاء ذلك في القصيدة ، بشكل من التكرار الفني الذي يحقق المعنى في إطار من الإيقاع :

" سيدتي ، / قالوا إن كتاباتي.../ كلّ كتاباتي / تحمل وشمَ نــزار ./ و أنا يا سيدتي ،/ جئت اليوم لأشهدك
...............
في منتصف الشارع / أو منتصف الليل .
............
لأشكلها امرأة تقرأني/ امرأة تعبر أحلام الشّعراء/ و تعشــــــق مثلي أزهار اللوز/ و أزهار الدفلى / و رياحين /تتضوع في ملكوت الله / و تحت سرير امرأة ."
و في قصيدة " عيد ميلادك" يتكرر اسم "نخب "ثلاث مرات و الزمن مرتين :
" نشرب نخب الزمن المتوهج / نخب الزمن الآتي/ نخب الكلمـــــة " بينما تتكرر ثلاث مرات في قصيدة " ممثلة " (نحو الزمن اليابس / و الزمن المتشطر ... / و الزمن المخضوب ) و في قصيدة " بطاقـــات إلى العراق "تتكرر كلمة (سلاما ) أربعة عشر ة مرة . و هذا ما يسمى بالتكرار اللفظي ، و هو شائع في الديوان ، بل هو الأكثر شيوعاً  في الشعر الحديث ، و في قصيدة النثر بخاصّة .

4 ــ التكرار في شكل فعــل :

فكما يستأثر الاسم باهتمام الشّاعر ،فقد يفعل ذلك الفعل، و الفعل يفيد الحركة و هو من الكلمات المستقلة بالفهم  (Autosemantic words) كالاسم .ففي قصيدة ( تقابلات ) نجد فعل (رأى ) يتكرر ست مرات يتصدر سطوراً شعرية  ، و يؤثر في المعنى ، نتأمل ذلك :
فترى حلمك ،/ هذا الناصع و الطهرَ ، / في الساحات / مباحا لمجون الألسنة ،
و ترى أزمنة الحب الباذخ / و الأنقى / تتدلى من أدراج مكائدهم ، / و ترى النبضات المُسكرة الجذلى / تنبت / تزهرُ في غير مواضعها ،/ و ترى الحرف المتــدور / حبالا من مسد / و ترى أيامك /  حبك /  حرفك ../ تُطحنُ في أزمنة الضعفاء /  فيصبحُ هذا العالم / أضيق من كفك / و ترى لوركا / و قصائد نرودا
و الطبال /  و إسماعيل ."
و نجد هذا أيضا في قصيدة" اتهام " حين بتكرر فعل " عشق " ثلاث مرات :
و تعشق مثلي فجراً ..../ و تعشق مثلي أزهار اللوز ..../ و تعشق مثلي الحجر (المتألق في كفّ الطّفل ) و في قصيد " ممثلة " يتكـــرر فعل " صفق " مرتيــن :  صفق الجمهور طويلا / صفق ..حتى سقطت كــل الأقنعة الاثنا عشرة ) و نجد الفعل يتكرر في تصدير أشطر في قصيدة " بطاقات إلى شاعرة " كما هو الشأن مع فعل كان في الأمر إذ تكرر اثنا عشرة مــــرة  ( كوني أنت /كوني المملكة المَزروعة بالحب.... و كوني الملكة / كوني السّوسنَ / كوني الصّندل / كوني العطر / و كوني بين تفاصيل العالم ..../ كوني الغيمَ الأخضر / كوني الأمطار/ و كوني السنبلة الحُبلى بالحلم / كوني طيراً..../ كوني صوت الرب ً ) .
و هكذا نلاحظ أنه بالفعل أيضاً،  يتحقق التكرار اللّفظــــي ، و يحقق موسيقى داخلية تساهم في هرمونية الإيقاع الموسيقي العام في النّص .

5 ــ التّكرار في شكل حـــرف .

و نعني بذاك كلمة غير مستقلة بالفهم ( (Syntactic wods عكـــس الاسم و الفعل أي الحرف.و هو ما يعرف بالتكرار الصّوتي. فإن كان الاسم يعرض للشاعر كمؤشر لمكان أثير، أو زمان رائق جميل ،أو ذكرى حميمة لطيفة  .. و الفعل ، يترجم المعنى الدفين ، و يبلــــــور الإحساس ، و يحدد الحالات، و يكشف الانفعالات .. فإنّ الحرف على العكس من ذلك فهو (اصطلاحاً) كلمة دلّت على معنى في غيــــرها ، يحتاج إلى غيره من الكلام -اسم أو فعل- لتبيان معناه ...فلماذ حُمل محمل الفعل و الاسم و اللازمة  فيما يتعلق بالتكرار؟
ذلك أنّ الحرف باتصاله بغيره يحدث انقلاباً في المعنى،و يجدد الدّلالة، و يكسبها فهماً جديداً ، و إن كان النّحويون انقسموا إلى قسمين فيمـــا يتعلّق بالحرف على عكس الفعل و الاسم اللذان توافقت حولهما الآراء .ففريق من النّحويين يرى دلالة الحرف على معنى في غيره . و هؤلاء هم الأكثرية،أمّا الأقلية  فترى دلالة الحرف على معنى في نفسه .
و من تمّ ورد تكرار الحرف، يتصدر الأسطر الشعرية. ففي قصائــد مختلفة من الديوان، وبغض النظر عن حرف العطف ( الواو ) الــذي يتكرر بكثرة  متصدراً الأسطر في فعل ترابطي . يفيد المشاركة . فإننا نجد حرف العطف ( أو ) يتكرر في قصيدة "طموح " ثلاث مرات كما هو في هذه الأسطر :( أو نتسابق نحو الأزمنة المسكونة ..../ أو بعض جدائل شعر .... / أو بين تجاويفه .) كما يتكرر حرف الجر (في ) في قصيدة " عيد ميلادك" "تسع مرات يتصدر فيها الأسطر كما يلــــي : ( في ميلادك ..../ في صفحات القلب ..../ و في الرعشات الخضر ..../ في ميلادك .../ و في ذاكرة الجمر ..../ في ميلادك .../ و فــــي الكف .../ و في الكون ..../ في ميلادك.... و ( في ) تتكرر أيضاً في قصيدة " تقابلات " ست مرات و في قصيدة "بطاقات إلى العراق " ثلاث مرات و في نفس القصيدة  نجد حروفا تتكرر  منها الباء ثلاث مرات: ( و بالزمن الخائب ..../ بك ..../ بالغيم الأخضر ...) و حرف اللام  و يتكرر عشر مرات : ( لكَ الإكليلُ/ لك المشكاةُ / لك السدرةُ../ لك الغيمُ الدافق / لك فاكهة الزمن الآتي / و لك كف تفتح نافذة أخرى / لك بستان الله..../ لك النورسة /  و لك التاجُ / لك القبلة ) .
    خلاصة : إن التكرار، في ديوان " تنوعات على باب الحاء " لم يأت اعتباطاً أو إطناباً  و حشواً أو ترفاً لفظياً ...بل جاء في خدمة موسيقى النّص ، علماً أنّ التفعيلة وحدها و بخاصّة في البحور الصّافيـــــة التي تتكرر فيها تفعيلة واحدة،  كالمتقارب ،و الكامل، و الرجز .. لا تحدث تناغماً هرمونياً واضحاً إلا لدى الأذن الشّاعرة ، بل تشعر برتابــــــة موسيقية  ما لم يوظف الشّاعر الزّحافات و العلل لكسر امتداد الرتابة، فضلا عن التكرار الذي يغذي الموسيقى العامّة بموسيقى داخلية  كما هو في قصيدة " موسم ثان " الذي يفــوق ذلك إلى تأكيــد و ترسيـــخ المعنى .. و بثّ شعور نفسي، هو أصلا شعور المبـدع نفسه. و كمـــا لمسنا ذلك مما سبق، لقد جاء التكرار متنوعاً بين لازمة هي عبارة عن سطر شعري ،إلى لفظة واحدة  ..كما جاء التكرار يتصدر الأسطــــر الشعرية كاسم أو فعل أو حرف...الشئ الذي نجم عنه نوع من الانبهار و الدهشة الشعرية Etonnement poétique و التجانس الموسيقــي ، و التكثيف الصّوتي و الدّلالي مما مكن النّاقد و القارئ من مفتاح هــام لفتح مغالق النّص، و كشف ما يدور في خلد ، و لا شعور الشاعر .... الشيء الذي يساهم في إضاءة ملامح تجربته، و رؤيتـه للعالــم .


[i]  ــ نازك الملائكة / قضايا الشعر المعاصر / دار العلم للملايين ، ط 7 ص 276
[ii]  ــ رشيد بن مالك: قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، دار الحكمة، الجزائر، 2000، ص15.
[iii]  ــ  د.مفتاح، (محمد)، الخطاب الشعري( استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 1992، ص: 39
 ــ نفس المرجع ص 39[iv]