الاثنين، 20 فبراير 2012

أسلوب التّكرار في "تنويعات على باب الحاء "
للشّاعر عبد السّلام مصباح

د مسلك ميمون

استهلال :

      الشاعر عبد السلام مصباح ،ولد بشفشاون بتاريخ 21 مارس سنة 1947, تابع تكوينه بمدرسة المعلمين بسطات، وحصل على الأهلية التربوية 1972. التحق بالمركز التربوي الجهوي بآسفــي وأحرز على دبلوم السلك الأول سنة 1984.
بدأ النشر عام 1966 بجريدة العلم. يشمل إنتاجه الكتابة الشعريـــة والترجمة عن الإسبانية. نشر أعماله بالعديد من الصحف والمجلات المغربية والعربية: المحرر، الاتحاد الاشتراكي، العلم، البيان، أنوال الثقافي، الموقف العربي، إبداع (مصر)، الآداب الأجنبية ، الثقافـــة (سوريا)، الأقلام، الطليعة الأدبية، فنون (العراق)، الآداب (لبنان)، الثقافة العربية (ليبيا)، البيان (الكويت)، الملايين، أوراق، القـــدس العربي، الشرق الوسط (لندن).
ترجمت بعض أعماله إلى الإسبانية والفرنسية. وخصص لترجمته المستشرق الإسباني فرناندو دي أغريدا ثلاث دراسات قدمت في المغرب وفي إسبانيا.

ديوان " تنويعات على باب الحاء " آخر ديوان نشره الشاعر عبد السلام مصباح سنة 2011 في مطبعة دار القرويين بالدار البيضاء بغلاف سموي اللــــون من تصمي الشاعر نفسه يضم ثمانية عشر قصيدة منها قصيدتا نثر و هما اعتراف  ص 13 و بطاقات إلى المدينة الفنيق ص111 و باقي القصائد تخضع لنظـــــام التفعيلة .
و يهمنا من دراسة الديوان الجانب الأسلوبي، و بخاصة  ظاهـــــرة التكرار التي لا تكاد تخلو منها قصيدة . و قبل الخوض في ذلك نشير أن أسلوب التكرار في الشعر قديم يعود إلى العصر الجاهلــي، و مـا قالته العرب في خطبها و أسجاعها و أشعارها كما نجده في الأحاديث النبوية الشريفة ، و القرآن الكريم .. و يؤتى به لا على سبيل الإطناب و الإسهاب .. و لكن لغاية أسلوبية بلاغية :كالتحريض، أو التّوكيد، أو كشف لبس ، أو إبعاد،  الرتابة  والملل. ...
كما نجده في الشعر الحديث ، الذي جاء نتيجة ظروف موضوعية أعقبت الحرب العالمية الثانية، ففي ذلك تقول نازك الملائكة :            ( جاءتنا الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية بتطور ملحوظ في أساليب التعبير الشعري، و كان التكرار أحد هذه الأساليب ، فبرز بروزاً يلفت النظر ، و راح شعرنا المعاصر يتكئ عليه اتكاء يبلـــغ أحياناً حدوداً متطرفة ، لا تنمّ على اتّزان . )[i]

ففي قصيدة " حوار " للشاعر صلاح عبد الصبور مثلا، نجده قد كرر " أأنت من سكان هذه المدينة!" ست مرات ،و نزار قياني في قصيدة" الحزن"كرر علمني حبك" على رأس كل مقطع ، و بدر شاكر السياب في قصيدته " مطر" ، كرر كلمة مطر ستة و عشرين مرة. و محمود درويش في قصيدته"أنا آت إلى ظل عينيك آت"،  كرر هذه الجملــة " ست مرات .
و لأهمية التكرار الأسلوبية و البلاغية ،اهتمت به الدراسات القديمة و المعاصرة  إذ  "... يبدو تكرار العناصر المعطاة في الخطاب الواحد ضروريا لكونه يسهم في تكوينه الداخلي" [ii] و إن كان النحويون قــــد اهتموا بالتكرار فقط  من جهة التوكيد اللفظي . أمّا البلاغيـــون فقـــد أولوه عناية خاصة ،أظهرت ميزته ، و خصائصه في الخطاب الأدبي و الشعري منه بخاصة يقول د محمد مفتاح : (إن تكرار الأصــــوات والكلمات ، والتراكيب ليس ضروريا لتؤديَ الجملُ وظيفتَها المعنوية والتّداولية .. ولكنه ( شرط كمال) أو محسِّن أو لعب لغوي..)[iii] ويضيف قائلا:( ومع ذلك فإنّ التكرار يقوم بــدور كبير في الخطاب الشعري أو ما يشبهه من أنواع الخطاب الأخرى الإقناعية...)[iv]

بعد هذا الاستهلال ،ماذا عن وجوه التكرار في ديوان : " تنويعات على باب الحاء "  للشاعر عبد السلام مصباح ؟

1 ــ التكرار في شكل لازمة قبليــة :

القصيدة عند الشاعر عبد السلام مصباح، تكتب في مقاطع مختلفــــة الطول و العدد من قصيدة لأخرى، و كلّ مقطع يحافظ على لازمة ، أو مطلع يتكرر:
مثلا في قصيدة " ارتجاح العشب الأخضر " نجد أربعة مقاطع مختلفة الطول،و لكن تتصدر كلّ مطلع منها العبارة التالية:( سيدتي،من عمري الباقي جئت إليك .)
بمعنى أنها تكرّرت أربع مرات.نفس الشيء في قصيدة "عيد ميـلادك" حيث تكررت على رأس المقاطع الأربعة  عبارة ( نورستي فـــــــــي ميلادك ) ، ففي قصيدة  ( طموح ) التي تتكون من مقطعين ، يتصــدر المقطع الأول قول الشاعر :
سيدتـــــي ،
انّ طموحي محدوداً جداً / و بسيطاً جداً .. /كان طموحي /أن نختارَ اللحظات السكرى / و نناوش حلماً / يتلاطم في صدرينا .....
و يقول في مطلع المقطع الثاني :
سيدتي ، / كان طموحي / أبسط مما تتصورين، / كان طموحي مثل جميع  البسطاء / بهذا البلد.. / أن نجلس في المقهى / و نصفق للنادل / نطلب فنجانين من الشّوق / و بعض شرائح / من خبز الوقــــت...)
و في قصيدة " حلم ثان"يتكرر هذا المقطع الفعلي : ( أحلـــم ..أحلــــم بامرأة قادرة ) ست مرات .و تتكرر عبارة ( جموع الأحبة) في قصيدة "بطاقات إلى الغاوين " ست مرات .و الغريب أنها نفسها أي ( حموع الأحبة ) تتكرر أربع مرات في قصيدة  " بطاقات لأبي الجعد " بينمــا في القصيدة الأخيرة في الديوان " الطفل القدسي " تكررت اللازمـــة القبلية ( نام محمد ) إحدى عشرة مرة .

و كما تأتي اللازمة سطراً شعرياً كاملا ،تأتي كلمة واحدة كما هو في قصيـــــدة "ممثلة " إذ تكررت كلمة " سيدتي " خمس مرات. و فـــي قصيدة " سيدتي تفتح للعشق خزائنها " أربع مرات . و نفس الشيء في قصيدة " بطاقات إلى شاعرة " بينما تحقق قصيدة " مرسوم ثان "أكبــر عدد من تكرار اللازمة القبلية في كلمة  ( ممنوع ) إذ تكررت احدى عشر مرة و مجموع تكرار الكلمة في القصيدة و تصديـــــــر المقاطع بلغت ثلاثين مرة . بينما في قصيدة " بطاقات إلى المدينـــــة الفنيق " تتكرر كلمة ( حسيمة ) أربع مرات .

و هذا ما يسمى باللازمة القبليــــة ، لأنها تتصدر المقطع كجملة شعرية أو لفظة تحقق الوقع الدلالي و الإيقاعي معاً، على شكل فواصل .

2 ــ تكرار في شكل لازمـــة بعديــــة :

و هناك اللازمة البعدية ، أي أن المقاطع في القصيدة تنتهي بلازمة سواء على شكل شطر أو كلمة ، و قد تجمع القصيدة بين اللازمتين القبلية و البعدية كالذي نجده في قصيدة : ( زيارات ) ص 69 فاللازمة القبلية في هذه القصيدة هي :( كانت تأتيني ...) بينما اللازمة البعديــة فهي كلمة " تَرحلُ " و هي في  نهاية كل مقطع .و كلاهما القبلية أو البعدية ، تتكرر في هذه القصيدة خمس مرات.

3 ــ التكرار في شكل اســـــــم :

أحياناً كثيرة يكون للاسم ، أو جملة من الأسماء، أثر السّحر في قريحة الشّاعر. فيكتب قصيدة  من عدّة مقاطع ، و كأنّه يبحث عن لباس شعري لتلك الأسماء التي تسكنه، و تؤثر في نفسه ، و تثير مشاعره . و هذا ما نلمسه في بعض قصائـــــد ديوان " تنوعات على باب الحاء " لنتأمل وقع و تكرار هذه الأسماء ( سيدتي / 2، كتاباتي/2 ، منتصف/2 ،امرأة/ 3، أزهار2 ) و ذلك في قصيدة " اتهام " ص     25 و قد جاء ذلك في القصيدة ، بشكل من التكرار الفني الذي يحقق المعنى في إطار من الإيقاع :

" سيدتي ، / قالوا إن كتاباتي.../ كلّ كتاباتي / تحمل وشمَ نــزار ./ و أنا يا سيدتي ،/ جئت اليوم لأشهدك
...............
في منتصف الشارع / أو منتصف الليل .
............
لأشكلها امرأة تقرأني/ امرأة تعبر أحلام الشّعراء/ و تعشــــــق مثلي أزهار اللوز/ و أزهار الدفلى / و رياحين /تتضوع في ملكوت الله / و تحت سرير امرأة ."
و في قصيدة " عيد ميلادك" يتكرر اسم "نخب "ثلاث مرات و الزمن مرتين :
" نشرب نخب الزمن المتوهج / نخب الزمن الآتي/ نخب الكلمـــــة " بينما تتكرر ثلاث مرات في قصيدة " ممثلة " (نحو الزمن اليابس / و الزمن المتشطر ... / و الزمن المخضوب ) و في قصيدة " بطاقـــات إلى العراق "تتكرر كلمة (سلاما ) أربعة عشر ة مرة . و هذا ما يسمى بالتكرار اللفظي ، و هو شائع في الديوان ، بل هو الأكثر شيوعاً  في الشعر الحديث ، و في قصيدة النثر بخاصّة .

4 ــ التكرار في شكل فعــل :

فكما يستأثر الاسم باهتمام الشّاعر ،فقد يفعل ذلك الفعل، و الفعل يفيد الحركة و هو من الكلمات المستقلة بالفهم  (Autosemantic words) كالاسم .ففي قصيدة ( تقابلات ) نجد فعل (رأى ) يتكرر ست مرات يتصدر سطوراً شعرية  ، و يؤثر في المعنى ، نتأمل ذلك :
فترى حلمك ،/ هذا الناصع و الطهرَ ، / في الساحات / مباحا لمجون الألسنة ،
و ترى أزمنة الحب الباذخ / و الأنقى / تتدلى من أدراج مكائدهم ، / و ترى النبضات المُسكرة الجذلى / تنبت / تزهرُ في غير مواضعها ،/ و ترى الحرف المتــدور / حبالا من مسد / و ترى أيامك /  حبك /  حرفك ../ تُطحنُ في أزمنة الضعفاء /  فيصبحُ هذا العالم / أضيق من كفك / و ترى لوركا / و قصائد نرودا
و الطبال /  و إسماعيل ."
و نجد هذا أيضا في قصيدة" اتهام " حين بتكرر فعل " عشق " ثلاث مرات :
و تعشق مثلي فجراً ..../ و تعشق مثلي أزهار اللوز ..../ و تعشق مثلي الحجر (المتألق في كفّ الطّفل ) و في قصيد " ممثلة " يتكـــرر فعل " صفق " مرتيــن :  صفق الجمهور طويلا / صفق ..حتى سقطت كــل الأقنعة الاثنا عشرة ) و نجد الفعل يتكرر في تصدير أشطر في قصيدة " بطاقات إلى شاعرة " كما هو الشأن مع فعل كان في الأمر إذ تكرر اثنا عشرة مــــرة  ( كوني أنت /كوني المملكة المَزروعة بالحب.... و كوني الملكة / كوني السّوسنَ / كوني الصّندل / كوني العطر / و كوني بين تفاصيل العالم ..../ كوني الغيمَ الأخضر / كوني الأمطار/ و كوني السنبلة الحُبلى بالحلم / كوني طيراً..../ كوني صوت الرب ً ) .
و هكذا نلاحظ أنه بالفعل أيضاً،  يتحقق التكرار اللّفظــــي ، و يحقق موسيقى داخلية تساهم في هرمونية الإيقاع الموسيقي العام في النّص .

5 ــ التّكرار في شكل حـــرف .

و نعني بذاك كلمة غير مستقلة بالفهم ( (Syntactic wods عكـــس الاسم و الفعل أي الحرف.و هو ما يعرف بالتكرار الصّوتي. فإن كان الاسم يعرض للشاعر كمؤشر لمكان أثير، أو زمان رائق جميل ،أو ذكرى حميمة لطيفة  .. و الفعل ، يترجم المعنى الدفين ، و يبلــــــور الإحساس ، و يحدد الحالات، و يكشف الانفعالات .. فإنّ الحرف على العكس من ذلك فهو (اصطلاحاً) كلمة دلّت على معنى في غيــــرها ، يحتاج إلى غيره من الكلام -اسم أو فعل- لتبيان معناه ...فلماذ حُمل محمل الفعل و الاسم و اللازمة  فيما يتعلق بالتكرار؟
ذلك أنّ الحرف باتصاله بغيره يحدث انقلاباً في المعنى،و يجدد الدّلالة، و يكسبها فهماً جديداً ، و إن كان النّحويون انقسموا إلى قسمين فيمـــا يتعلّق بالحرف على عكس الفعل و الاسم اللذان توافقت حولهما الآراء .ففريق من النّحويين يرى دلالة الحرف على معنى في غيره . و هؤلاء هم الأكثرية،أمّا الأقلية  فترى دلالة الحرف على معنى في نفسه .
و من تمّ ورد تكرار الحرف، يتصدر الأسطر الشعرية. ففي قصائــد مختلفة من الديوان، وبغض النظر عن حرف العطف ( الواو ) الــذي يتكرر بكثرة  متصدراً الأسطر في فعل ترابطي . يفيد المشاركة . فإننا نجد حرف العطف ( أو ) يتكرر في قصيدة "طموح " ثلاث مرات كما هو في هذه الأسطر :( أو نتسابق نحو الأزمنة المسكونة ..../ أو بعض جدائل شعر .... / أو بين تجاويفه .) كما يتكرر حرف الجر (في ) في قصيدة " عيد ميلادك" "تسع مرات يتصدر فيها الأسطر كما يلــــي : ( في ميلادك ..../ في صفحات القلب ..../ و في الرعشات الخضر ..../ في ميلادك .../ و في ذاكرة الجمر ..../ في ميلادك .../ و فــــي الكف .../ و في الكون ..../ في ميلادك.... و ( في ) تتكرر أيضاً في قصيدة " تقابلات " ست مرات و في قصيدة "بطاقات إلى العراق " ثلاث مرات و في نفس القصيدة  نجد حروفا تتكرر  منها الباء ثلاث مرات: ( و بالزمن الخائب ..../ بك ..../ بالغيم الأخضر ...) و حرف اللام  و يتكرر عشر مرات : ( لكَ الإكليلُ/ لك المشكاةُ / لك السدرةُ../ لك الغيمُ الدافق / لك فاكهة الزمن الآتي / و لك كف تفتح نافذة أخرى / لك بستان الله..../ لك النورسة /  و لك التاجُ / لك القبلة ) .
    خلاصة : إن التكرار، في ديوان " تنوعات على باب الحاء " لم يأت اعتباطاً أو إطناباً  و حشواً أو ترفاً لفظياً ...بل جاء في خدمة موسيقى النّص ، علماً أنّ التفعيلة وحدها و بخاصّة في البحور الصّافيـــــة التي تتكرر فيها تفعيلة واحدة،  كالمتقارب ،و الكامل، و الرجز .. لا تحدث تناغماً هرمونياً واضحاً إلا لدى الأذن الشّاعرة ، بل تشعر برتابــــــة موسيقية  ما لم يوظف الشّاعر الزّحافات و العلل لكسر امتداد الرتابة، فضلا عن التكرار الذي يغذي الموسيقى العامّة بموسيقى داخلية  كما هو في قصيدة " موسم ثان " الذي يفــوق ذلك إلى تأكيــد و ترسيـــخ المعنى .. و بثّ شعور نفسي، هو أصلا شعور المبـدع نفسه. و كمـــا لمسنا ذلك مما سبق، لقد جاء التكرار متنوعاً بين لازمة هي عبارة عن سطر شعري ،إلى لفظة واحدة  ..كما جاء التكرار يتصدر الأسطــــر الشعرية كاسم أو فعل أو حرف...الشئ الذي نجم عنه نوع من الانبهار و الدهشة الشعرية Etonnement poétique و التجانس الموسيقــي ، و التكثيف الصّوتي و الدّلالي مما مكن النّاقد و القارئ من مفتاح هــام لفتح مغالق النّص، و كشف ما يدور في خلد ، و لا شعور الشاعر .... الشيء الذي يساهم في إضاءة ملامح تجربته، و رؤيتـه للعالــم .


[i]  ــ نازك الملائكة / قضايا الشعر المعاصر / دار العلم للملايين ، ط 7 ص 276
[ii]  ــ رشيد بن مالك: قاموس مصطلحات التحليل السيميائي للنصوص، دار الحكمة، الجزائر، 2000، ص15.
[iii]  ــ  د.مفتاح، (محمد)، الخطاب الشعري( استراتيجية التناص)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط3، 1992، ص: 39
 ــ نفس المرجع ص 39[iv]

السبت، 18 فبراير 2012




ديوان '' اغتراب الأقاحي ''
بين الشّكل الشّعري و الذّاتوية
للشّاعرة فاطمة بوهراكة
د مسلك ميمون

الشّاعرة فاطمة بوهراكة من مواليد مدينة  فاس المغربية في 13 فبراير 1974  عضو مؤسس لمحترف الشّعر المعاصر بكلية الآداب ظهر المهراز/ فاس سنة 1996
رئيسة جمعية دارة الشعر المغرب.و رئيسة تحرير مجلة أوتار العربية www.awttar.com
 
عضو حركة شعراء العالم بجمهورية تشيلي. و عضو رابطة أديبات الإمارات.

* نشرت إنتاجها الشّعري بعدّة جرائد ومجلات وطنية ودولية منها : الميثاق الوطني , الحركة , الزمن , شبابيك المالطية , الراية القطرية ،عشتاروت اللبنانية ,الأهالي و الحقيقة العراقية ,زهرة الخليج , الحركة الشّعرية بالمكسيك ....* شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات الشّعرية منذ سنة 1996 وإلى يومنا هذا * ساهمت في إنجاز أربع دواوين مشتركة وهي:
-
احتراقات عشتار 1995-  غدائر البوح 1996- وشم على الماء 1997-  بهذا وصى الرمل 1998 و لها ديوان شعر تحت عنوان ''اغتراب الأقاحي'' في طبعتين مترجم إلى اللّغة الفرنسية، صدر عن مطبعة أمبريال بالرباط عام 2001م. و ديوان ''بوح المرايا''، مترجم للّغتين: الفرنسية والإسبانية، صدر عن مطبعة أنفوبرانت بفاس عام 2009م.
*
كما أصدرت شريطاً شعرياً .
·       و هي صاحبة فكرة '' الموسوعة الكبرى للشّعراء العرب '' التي انطلق العمل عليها بتاريخ 1 يوليو 2008 و صدر الجزء الأول منها.
·        أجريت معها عدة لقاءات صحفية وطنيا وعربيا : بمجلة شبابيك المالطية , إيلاف السعودية , النور العراقية , النصر الجزائرية , التجديد المغربية .... تلك هي الشاعرة فاطمة بوهراكة و ذاك مجال نشاطها و إبداعها الشّعري و لكن ماذا عن ديوانها ''اغتراب الأقاحي'' ؟
 إنّ المتتبع لكتابة الشّاعرة و منذ البداية في أواسط التّسعينات و إلى الآن . يلاحظ التّطور التّركيبي اللّغوي ، و بلورة الهاجس الدرامي. قد يبدو هذا أمراً عادياً بالنسبة لشاعرة تتلمذت على نتاج شعراء كبار من مدينتها العريقة فاس ، أو من المغرب و العالم العربي عامّة إلى أن أصبحت لها بصمتها الخاصّة . إلا أنّ التّميز في كتابة هذه الشّاعرة أخـــــــذ طابعاً يعتمد :

1 ــــــ الشّكل الشعري الفني.La forme poétique artistique )السنن اللّغوي:صوت ، تركيب،معجم،دلالة) و هذا ما يحقّق النّظرية الجمالية في ديوان( اغتراب الأقاحي).الـذي صدر سنة 2001 عن مطبعة أمبريال بالرباط وتمت ترجمته إلى اللّغة الفرنسية من طرف الشّاعرة الأستاذة فاطمة الزهراء العلوي . يقع في ثمانين صفحة من الحجم المتوسط.وأنجزت لوحة الغلاف الفنانة التّشكيلية المغربية المهاجــــرة نعيمة الملكاوي و قد زاوج بين الشّعر و الرسم بمساهمة الفنّان التّشكيلي عبد القادر بوطافي.و قدم له بكلمة قصيرة د محمد السرغيني.

1/ 1 ـــــ  الملاحظ في الوجهة البنائية والأسلوبية أنّ الجمل الاسمية تتصدر العناوين. بدءا من العنوان الرئيس، إلى آخر عنوان نص في الديوان :( أقاحي الاغتراب) [ لم السفر، همس على الأطلال، حكاية نورس حزين ، متعبة ، عتبات اللاوعي ، ثلاثية الجرح و الوداع ، تولوز و الذاكرة، زغاريد ولادة مؤجلة، عشتار لحظة النار، عيناك قساوة كبرى مرثية على قبر هابل، عتبات الجرح الأخير، بكاء آخر اللّيل، رقصات الجسد العاصي، في مهب الرّيح، همس على الأطلال، كلام الصّمت ]
و هذا يبدو أمراً غريباً في أغلب ما تختاره الشّاعرة  من عناوين لمعظم النّصوص كما هو في الديوان الثّاني (بوح المرايا) . بل الجمل الاسمية تكثر و بشكل لافت حتّى في أشطر النّصوص .. و بطبيعة الجملة الاسمية الابتداء بالاسم لفظاً أو تقديراً يليه الخبر ليحددا معاّ معنى محدّداً.فاستخدام المركب الاسمي في الديوان، من حيث طرفي الإسناد:المبتدأ و الخبر مسند و مسند إليه . و إن كان الأصل أن يتقدم المسند إليه (المبتدأ) إلا في حالات سياقية أسلوبية .. فهذا يحيلنا على ما تفيده الجملة الاسمية من ثبات و دوام و تأكـيد للمعنى على عكس الجملة الفعلية التي تفيد التّجدد و الحدوث ..
انشطار
شيخوخة
طوفان
نورس ما هاجر يوما ذاكرته
قابعا في ثالوثه الأعمى :القصر الكبير / الرباط / البيضاء

1/2 تعــــــــدّد الصّيغ Polymodalité
ما من نصّ في الديوان إلا و تتعدّد صيغه بحثاً عن دلالة أعمق ، و رؤية أدق، و صورة بلاغية رائقة ، من ذلك أسلوب التّصغير: في قصيدة ( لكل هذا الألم أرفض كينونتي) :
( قتلت لحيظة الفرح/ أنقش الحناء فويق الورق) و من ( عبور إلى المشتهى ): (وقيت التّمرد الطويل /  وقيت الخلاص) و في ( ثلاثية  الجرح و الوداع ) : (فويق النّسمات ..)

1/3 صورالتّعبير الغرائبيةExotique   و تتخلل أشطر النّصوص ، صور ليست انزياحية فقط في تركيبها ونسقها بل تتّسم بالغرابة في تأمّلها و استنطاقها وتأويلها:
فمن ( كلّ هذا الألم أرفض كينونتي ) :
في الما بين 
وجدتك تتنفسين الآهات
ترحلين من رحم أمي 
في عوالم الغضب 
الموشوم بلغة الاحتضار 
تتلذذين جرحي العتيق 
في صمت راحته النسيان 
و من (بوح الصمت ) :

ذاكرة الأمس تهجرني
كوشمة مطرزة
على الماء
المنساب من أصابعي
الحبلى برحيق
الزمن
1/4 اللّغة المجازية  langage Figuré  لا يمكن أن نتصور نصاً شعرياً خالياً من اللّغة المجازية ،فهي التي تشكل الصّور الشّعرية ، و تؤطرها تخييلا  و تلميحا و تأملا ...و نصوص هذا الديوان بفضل الرمز و التّراكيب الغرائبية ،والتقديم ،و التأخير،و التّكثيف اللّغوي، و التّلميح ، و الإشارة ، و الانزياح écart ... قد حافظت في معظمها على نسقية مجازية كما سنلاحظ ذلك لاحقا .

1/5 الرموز Symboles بالعودة إلى فترة كتابة قصائد الديوان أواخر التسعينات . كانت مسألة الرمز طاغية على الشعر المغربي بخاصة ، و الشّعر العربي بصفة عامّة . و كانت الرموز الإغريقية و الفرعونية  و البابلية الأشورية، و العربية ، و التّريخية .. أكثر الرموز توظيفاً في الشّعر، فلا غرو  إن جاءت نصوص هذا الديوان تمتح من ذلك :
من ( بكاء آخر الليل)
تحكين خرافات شهرزاد .
و من ( مرثية على قبر هابل )
و سزيف بداخلي
و من ( عشتار لحظة النار) بتصرف
عشتار الصغيرة تحلم برمسيس
تخاف عليه من الآلهة
رمسيس يتنفس
يحيى بقلب عشتار
بابل السمراء شاهدة
تحتضن عشتار بقوة
بعذاب رمسيس وعشتار
ضاحكة أمام الآلهة
وبداخلها طوفان ..تكسرت المرآة الجميلة عشتار تبكي / تضحك
ترفض رمسيس بقوة
ومن ( عيناك قساوة كبرى )
جدار برلين يؤسس ديكتاتوريته

هذا فضلا عن الرموز اللّغوية الأخرى كالنّورس في قصيدة (حكاية نورس حزين )
1/6 النّسق التّصاوتي  Système isophorique ما دامت النّصوص قصائد نثرية فلا مجال للحديث عن الوزن و التّفعيلة إلا ما جاء عفواً و بخاصة تفعيلة المتدارك في بعض الأشطر .
لهذا ينبغي اعتماد النّسق التّصاوتي على النّبر و التّنغيم l’intonation  فضلا عن الموسيقى الداخلية التي أساسها جرس الحروف و تناسق الكلمات :
 لنتمعن في توالي جرس حرف النّون في هذا المقطع :
(متعبة أنت يا أنا / لحظة الوعود /تكتبين نهاية الألم/المدفون/في ذاكرة الزمن التائه بين الجدران/متعبة أنت يا أنا )
و حرف الجيم و كيف تكرر في هذا المقطع : ( اغتراب يؤثث جنازتي/ووجه يسامر وجها من خيال/يحتضر القلب وراء الزجاج )
و حرف الألف و ما جاء به من نفس تصاعدي في كلمات تكاد تكون متلاحقة كما هو في قصيدة ( تولوز في الذاكرة ) : ( الذاكرة، أيها، الدامي، خطاياك، دوران، عار، نظرات، دافئة، تهاري، القناع،ذاكرتي،يراع، الكلمات، الذكريات، الشارع، يعكس، يعاند، المتلاشي، اللامتناهي، مينائك ، ضاعت، غدائري ) و نفس الشيء يتكرر في نص ( ولادة مؤجلة )

عموماً هناك توظيف لهيمنة الحرف الواحد، أو الحروف المهينة la dominate وســـــط اختلاف و تنوع من الحروف المتناغمة، الشيء الذي يؤدي إلى انسجام صوتي ، تنتج عنه هرمونية موسيقية ، قوامها الحرف و مدى تناغمه في هيمنته أو تكراره .

2 ــــــــ  الذّاتويـــــــة  La subjectivisme
2/1 عامل/الذات Actant / sujet  القصائد في معظمها، إن لم تكن كلّها تتمركز حول الذّات (أنا) لا إعجاباً بالذّات و تمجيداً لها . و لكن استقطاباً و لفتاً للانتباه لما يعتمل في هذه الذّات من حزن و ألم ، و تطلع و حلم .. هذه الذّات/الرمز التي هي ذات جماعية قد تحتفي بأجيال شابة ، في تطلعات و أحلام الشّاعرة التي لم تكن إبّان صدور الديوان قــــــد تجاوزت عقدها الثاني إلا قليلا. فتأتي القصائد ترصعها ياء المتكلم بشكل يذكر بالذّاتوية ــــ التّركزية  Subjecto- centriste ففي قصيد ( متعبة) مثلا و بتصرف :
تبارحني أنشودة لهذا
الزمان
تؤثتني هذه الجنازة
الضاربة في عمق الجسد
تقطع شهيتي ليلة لون دمي ...لا لون
شراييني مدججة بالعطاء
ساعة الجحود
متعبة أنت يا أنا
لحظة الوعود
تكتبين نهاية الألم
المدفون
في ذاكرة الزمن التائه
بين الجدران
متعبة أنت يا أنا
و إنّ التّركيز على الذّات يفتح مزلاج أبواب الحزن الدفين. فتطفو الذكريات السّوداء ، و الهموم و الانشغالات،و الإحباطات وأشياء أخرى تدخل في إطار المسكوت عنه   le non dit أو البوح بالدّلالات المضمرة  Sous- entenduesلسبب أو آخر  ..
2/2 قتامة الحزن : ( اغتراب الأقاحي) هو عصارة حزن دفين. نتيجة الانكفاء على الذّات، و ذاك ما ذهب إليه الأستاذ د محمد السرغيني في مقدمة الديوان : (هذا الديوان .. يعرب عن ذات قلقة بسبب من وضعها الخاص في مجتمع ذكوري لا تستطيع فاطمة بوهراكة تغيير ما فيه من اعوجاع , ولأنّها كذلك , فقد انكفأت على نفسها واتسمت بكثير من الهواجس التي تنتاب من هو في عمرها . )
   و الإنصات لأنينها، و ملامسة جراحها...الشيء الذي أضفى على النّصوص قتامـة واضحة إنّ قاموس ألفظ الحزن والألم يبدو ثراً ،و متنوعاً، و يشكل وحدة معجمية لافتة:
مثلا في نص ( لكلّ هذا الألم أرفض كينونتي) :( الآهات، الغضب ، الاحتضار، جرحي، جرحينن، أغرق، وحدي ، الجحود، الغدر ، الخطيئة، ألمي ، الألم)
و من نص  (مرثية على قبر هابل ):( وحدي والشجن/ ساعة القدر / لا صديق لا رفيق / غير هذا الطريق / المعبد بالآهات / والحزن بحر / أمواج )
و الأمر لا يقتصر على الألفاظ ، بل و التّعابير الزّاخرة بصور الحزن .
خلاصـــــــــــــــة :

بعد هذا الطواف التفكيكي لبعض عناصر ديوان ( اغتراب الأقاحي ) دون الوقوف عند العتبات ( العنوان ، الغلاف ، الإهداء ) و الاهتمام بمكونات النّص في حدّ ذاته  يمكـن الإشارة إلى بعض الحيثيات التي لو توفرت لأضفت جمالية على النّص من ذلك :

1 ـ علامات الترقيم : فقد وردت و لكن في شكل نقط حذف في بعض النّصوص و غابت كلّ علامات الترقيم الأخرى و بخاصة الفواصل و النقط و علامات التّعجب و الاستفهام .

2 ـ و إن كانت النصوص تندرج فيما يمكن أن نسميه قصيدة النثر أو ( النثيرة ) كما يحلو للبعض أن يسميها . إنّ النص النثري الفني ما ارتقى إلى مستوى ( قصيدة ) حتى حافظ على نسقية معينة في التّركيب ، بيد أنّ بعض النّصوص انجرّت بعض مقاطعها و أشطرها  إلى الهاجس النثري العادي مثلا :( بكاء آخر الليل ) و ( عبور إلى المشتهى) و( لكل هذا الألم أرفض كينونتي ) ...

3 ـ الذاتوية إذ افتُقدت من النّص فقد خصوصية الشّاعر، و أصبح بدون هوية !!  و إذا توقف عندها ، يصبح دائرا حول نفسه و لا ينفتح على الآخر . بمعنى الشّخص يعيش لنفسه و لغيره لأنّ هناك مقاربة جدلية بين (الأنا و الآخر) و لكن حين يعمّ الشّعور بالذّات التّمركزية يهمش الآخر. و تبقى الذّات تجترّ نفسها. و كأنّها وحدها في الوجود . ففي النّصوص التي تضمنهـا الديوان ، حتّى حين تنفتح الذّات على الآخر، سرعان ما تعود لنفسها ليستمر التّمركز. لنتأمل هذا المقطع :
في الما بين 
وجدتك تتنفسين الآهات
ترحلين من رحم أمي 
في عوالم الغضب 
الموشوم بلغة الاحتضار 
تتلذذين جرحي العتيق 
في صمت راحته النسيان 
يسحقني هذا الانتظار 
يجعلني أغرق في اليم 
وحدي .
و عموماً (اغتراب الأقاحي) تجربة واعدة في إطار قصيدة النثر، مضت عليها عشر سنـوات كديوان منشور.و ربّما أكثر كمخطوط .و في هذا ما يكفي أن تكون الشّاعرة قد اكتسبت رؤى مختلفة،و طرائق جديدة و بنيات مختلفة ... و هذا ما نلمسه في ديوانها الأخير( بوح المرايا) الذي سنعود إليه بالدّراسة و البحث قريباً إن شاء الله. بحثاً عن الجديد و روح التّطور التي تنهجها الشّاعرة ، و بخاصّة أنّ الفرق بين نشر الديوانين ما يقارب تسع سنوات ...

د مسلك ميمون



جمالية الرّؤية الإبداعية  في شعر جميلة الماجري

د مسلك ميمون

حين ترتبط الأسطورة بالشعر بخاصة ،و الأدب عموماً.. يكون الارتباط طبيعياً جداً،لأنّ الأسطورة من الأدب. و لقد عرفها الإنسان القديم،بل مرّر من خلالها أفكاره البدائية كالتي نجدها نقوشاً على ألواح بابلية تؤرخ  لأحداث مؤسطرة كأحداث جلجميش  في المثيولوجيا القديمة . فالأسطورة شكل من أشكال الوهم ، و ظاهرة تتسم بالشّمول، غارقة في الماضي ،بل هناك من يراها حتى في الحضارة المعاصرة ،التي بدورها تشكل أساطير جديدة  كما ذهب إلى ذلك بارت   Barthes ) )
و في اللغة :ما سطر القدماء ، والأساطير : الأباطيل، والخرافات بوجه عام ، ولا يهم معرفة  مصادر هذه الخرافات والشكل الذي صيغت به .والسّطر:الخط هو الصّف من الكتاب ،والشّجر والنّخل والجمع من كلّ ذلك أسطر و أسطار وأساطير وأسطورة كما قالوا أحدوثة و أحاديث، قال تعالى:" والقلم وما يسطرون '' أي وما تكتب الملائكة .


وفي اللّغة الإنكليزية يتشكل الحقل التّداولي  الذي يعتمد  في تقديم تعريف للأسطورة :    (tale )  حكاية ، أو كذبة ، أوشائعة (Fiction ) قصــــــــــة أو خيـــــال أو تخيل  و Fictilious )  ) خيالي أو زائف و( Romance ) قصّة حبّ ومغامرة  ( Legend)  أسطورة (Myth ) أسطورة أو خرافة ،وتفريقا عن المصطلح الأخير (Mythical ) أسطورة أو خرافي أو خيالي ولكن ( Mythology ) تعني مجموعة أساطير وبخاصّة الأساطير المتصلة بالإله وأصناف الآلهه في ( عصور الوثنية ) والأبطال الخرافيين عند شعب ما ، كما تعني : علم الأساطير  .وانّ كلمة ( Myth ) مشتقة من الكلمة اليونانية (Mythos ) التي تعني كلمة أو كلام ولم تستعمل هذه الكلمة بمعنى القصّة إلا مؤخراً .و (Fabe ) خرافة ذات مغزى .ربما يثار السؤال ، ما علاقة كلّ هذا بديوان ( ذاكرة الطير) للشّاعرة التونسية جميلة الماجري؟ العلاقة وطيدة في بعض مناحي الديوان . الذي ارتبطت بعض نصوصه بالأسطورة ، فنسجت رؤية جمالية فنية . فإن كانت هناك أنواع من الأسطورة :
أسطورة من حيث الشّكل ، طابعها صوري ورمزي .  و أسطورة ذات بعد حضاري في الماضي ، و أسطورة ذات بعد كوني إنسانيّ ،و أسطورة الحكاية المقدسة .
فإنّ الشّاعرة جميلة الماجري . اختارت من كلّ ذلك ، النّوع الأوّل :الأسطورة من حيث الشّكل في بعدها الرمزي .  بعيداً عن الإسقاط  projection

فماذا عن ديوان  "ذاكرة الطّير" ؟
ديوان شعر ،للشاعرة التونسية جميلة الماجري، وضع لوحة الغلاف عادل مقديش ، والخطوط الخطّاط سمير بن قوبعة، و التّصميم الجمالي منصف المزغيني، و تَمّ تصميم و انجاز الديوان بمختبر ومطبعة الشركة التونسية للنشر و تنمية فنون الرسم.
     و بفضل هذا التّعاون المتكامل جاء الديوان تحفة شكلا و مضموناً : غلاف أسود يعتليه اسم الشّاعرة بلون سماوي و خط فنّي،يتوسطه العنوان بلون ذهبي : ( ذاكرة الطير ) أسفل من ذلك ورقة ( بوكير)تمثل رأس وجذع شخصية في لباس فارسي في وضع معكوس على يساره قرب الكتف الأيسر، طاووس يطغى عليه البياض . و في ظهر الغلاف اسم الشّاعرة و عنوان الدّيوان و كأنّهما في شكل متماه يغرقان في السّواد...  جمالية الغلاف تدلّ على ذوق وإبداع ، و ترميز و إشارة، لا تتضح دلالتها و أبعادها إلا من خلال قصائد الدّيوان ، و بخاصة منها من نحت منحى الأسطورة و الرّمز ..
         الديوان جاء في ثمان و ثلاثين قصيدة ، في نسق شاعري حالم رائق ...معبرة عن ذات ولهى ، مسكونة بالأسرار ، تعبّ من فيض من الخيال ، وتنسج على منوال من التّخييل الشّعري ، مستمدة أحلى الرؤى ـ و أعمق الأفكار مما مضى ، وما جالت به الأجيال، من أطياف المحكي التّاريخي، و الأسطوري الخرافي ..في نسق متداخل متكامل .. يخدم عمق الدّلالة ، ويثير في الذّهن أكثر من إشارة و علامة ...
ومادام لا يمكن الوقوف عند كلّ القصائد و استنطاق جماليتها ...في بحث محدود في الموضوع والزّمان
ارتأيت الوقوف عند صنف من جمالية الدّيوان ، يخصّ : جمالية الرؤية الإبداعية . و هذه مسألة على غاية من الأهمية، تفتقر إليها الكثير من الكتابات الشّعرية التي تغرق في نسق التّبعية و النّمطية .. و كأنّهـــــــــــــــــــا لشاعر واحد ، يكرر نفسه دون شعور .
         في ديوان ( ذاكرة الطير ) تتحدد الرؤية الإبداعية جلية، معلنة عن تفرّدها ،و حسن شاعريتها، و تميّزها . لنلاحظ صنفاً من ذلك، من خلال سبع قصائد هي كالتّالي :
1 _ ذاكــــــــــــــرة العشق . ص 27
2 _ خاطــــف ظلــــــــــــــه ص 35
3 _ مالك الحـــــــــــزين ص 37
4 _ الكنـــــز القيرواني ص 45
5 _ نبوءة أروى القيروانية ص 53
6 _ ذاكــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــرة  ص 69
7 _ فتى ضيعته الفتوة ص 131
ففي هذه القصائد السبع تمت الاستفادة من  التراث و من الأسطورة ، بشكل فنيي، تلميحي، ينبض بالحياة ،ويحيل على عوالم ، و أنساق من الفكر ، تنبثق من شهوة الحكي، و الحلم و التّخييل الشّاعري La fonction poétique  فمن التراث الشّعري نجد قصيدة ( ذاكرة العشق ) التي استفادت من حادثة فقدان الشّاعر الأندلسي لسان الدين بن الخطيب لزوجته في مدينة سلا المغربية . و كيـــــــــف تأثر ل
ذلك و حزن ، حتى احتبس الشّعر عنه، و لم يَجدْ عليه إلا ببيت يتيم ، كتبه على شاهد قبرها يقول فيه :

مَهدي لي لديك مَضجعاً )()()( عن قريب يكون ترحـــالي

فجاءت القصيدةُ في شكلِ تمثّل خيالي لما يمكن أن ترد به فقيدته .فالاستفادة ليست مباشرة في الأخذ . و لا مباشرة في العرض . و لكن ذلك جاء تخييلا لما لم يكن ،انطلاقا من إرهاصات ما كان ....و ما كان ، كان حباً  كبيراً ...زكته القصيدة بأنْ جعلته يستمر حتّى بعد الموت . في صدق التّجلي ، وعمق المعنى ، و رهافة الحسّ ... صدى لوداد و عشق  ينبعث من العالم الآخر : رائقاً ، صادقاً ، متفتقاً  ....و في ذلك جمالية الرؤية ، و رونق الإبداع .. جاء في القصيدة على لسان الفقيدة :
فالمسْ / تجدني قيد كفّك ملمساً / وانْشق هواءَ سلا تجدْ عطري به / و اسمعْ / يجيء صوتي صدى ً للتّبض / في وريدك / فادعني و اهتفْ باسمي/ تنفتق لغة / معطلةٌ  على شَفتيك / و لتدخلْ /  قصيدتك التي استعصتْ عليك / فلمْ يزلْ للعشق مُتسعٌ بها ....
             و في قصيدة : ( خاطف ظله )  تنتقل الرؤية من التّراث إلى عالم الطّير، و القصيدة مستوحاة من طائر غريب، كلّما شاهد ظلّه أقبل عليه ليخطفه ،و يُسمّى أيضاً ملاعب ظلّه كما ورد في كتاب ( حياة الحيوان الكبرى ) للدميري. فالنّص في تركيبه ونسجه ، و عمق دلالته ،و بعد غوره …أقرب إلى الفلسفة و التّأمل ، منه إلى البَوح الشّعري ، أو لنقل بَوحاً شعرياً تأمّلياً فلسفياً . فالشاعرةُ تستمدّ وهج الإيحاء من الطائر و طبعه ، و سلوكه الخاص الغريب،الذي هو بين الخطف لظله وملاعبته . و ما دام الظلّ هو أساس ذلك ، جاءت الإشارة  من الشّاعرة في شكل سؤال : ( قلْ كيف لم ندرك /بانّ الحبّ ظلّ ؟ و خدعتنــــــا اللّذيذة ُ / موتنا الموقوتُ.. لعبتنـــــــــا / و بَدء غواية الأضواء . ) ص35

              و نبقى مع الطيور ،و غرابة أطوارها و سلوكها، و ما استوحته الشّاعرة من رائق العبارات و الصّور . ففي قصيدة ( مالك الحزين ) رغم قصرها، فهي نبض من معاني الكلمات ، و وميض من قبس الإشراقات ...تكتسي حلة أحدية العمق و الدّلالة ، و لكن تشكل رؤية جماعية ، من خلال أسطورة طائر مائي، عرف بحزنه الشّديد ، و كأنّه يحمل هموم الطّير كلّها .
و لقد ورد في كتاب ( حياة الحيوان الكبرى ) للدميري أنّ هذا الطائر  يقعد بقرب مياه الأنهــــــــــار، و قد يحرم نفسه من الشّراب خوفاً من أن ينقص منها ، فتجف. و عندما تجفّ يظلّ حزيناً عليها حتّى الموت.
أليس وضعنا وضع مالك الحزين ؟ يقتلنا الحزن و الخوف و لا ندري لماذا نحزن ؟و لا عمّ نحزن ؟ و قد كثرت أحزاننا حتى أنسانا بعضُها البعضَ الآخر، و لا ندري لماذا نخاف ؟ و مما نخاف؟ و قد صار الخوف سلوكاً و حلية تميزنـــــــــا ..تلك هي الرؤية  الفنية التي اقتبستها الشّاعرة مخاطبة مالك الحزين :
(  حزينٌ/ فهلْ  كنتَ تُدرك قبلَ الأوان بأنّ البلاد التي سُيّجتْ بالمياه / تجفّ؟ !  و يأتي عليها زمانٌ/ تبيع به ماءها /ثمّ تمضي إلى خارج الأرض/ خلفَ السّراب /  حزينٌ / كأنّك كنتَ تعرفُ /أنّـــــــا سَنستبدلُ الماءَ بالنفط/ حتّى الظّمـــــــــــــــــــــــــأ .) ص 37/38
و هو كذلك ، فقد بيع ماء الوجه ، ماء الحياء ، ماء الكرامة و العزّة ، و فعلا استبدل الماء الذي هو الحياة ، بالزائل المنقرض : النّفط حتّى الظمـــــــــــأ !!

و في قصيدة ( الكنز القيرواني ) ص45 تستوحي الشّاعرة رؤى تاريخية ،ببعد أسطوري، تجسدها المرأة القيروانية . تقول الأسطورة الشعبية،إنّ كنزاً مدفوناً في فسقية الأغالبة لا يفتحه حارسه المارد إلا لامرأة بشرط أن تذبح  بعد صلاة المغرب جدياً و تطبخ بلحمه قصعة من الكسكس ،و تنسج من وبر جلده منديلا تغطيها به، و تحملها وحدها إلى سكان الكنز ،و إذا أنجزت كلّ ذلك قبل  أن يدركها الفجر يُفتح لها الكنز . تلك هي الأسطورة و ما تنطوي عليه من دلالة . و لكن الاستيحاء منها جاء مخالفاً . إذ لم يكن هناك كنز كما هو مألوف . و لكن تحوّل إلى دلالة رمزية تخصّ المرأة القيروانية تحديداً، و المرأة عموماً... التي كانت ـــ حقاً ــــ  و عبر مراحل التّاريخ كنز الكنوز .
و رد في النّص : و الكنز مرصودٌ / لسيدة النّساء/ تكون مفردة / بمعنى الجمع / تَختزلُ النساءَ بليلة / و تجيء قبل الفجر ...ينشقّ فجر القيروان / عن النّبوءة/ تتجلى آياتُها / هنّ النّساء كنوزها / هنّ الوَصياتُ الوفياتُ اللّواتي / لم يخنّ عهودها... ) ص 45/46
و في غير هذا تستفيد الشّاعرة ــــ و كما هو دأبُها في هذا الديوان ــــــ من عبق التاريخ و رموزه ، و أحداثه التي تتسم بعبق الأسطورة أو ما يشابه . و كأنّها تطلب بإلحاح غرائب الأحداث لتستنطقها، و تفيد منها  و تستفيد .. و نلمس ذلك في نص ( نبوءة أروى القيروانية ) و أروى هي بنت منصور الحميري ، زوجة الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور ، و قد تزوجها بالقيروان على الصداق القيرواني الشّهير ، الذي يلتزم فيه بعدم التزوج أو التّسري عليها . و هو من أغرب أنواع الصداق ، و إن كان معروفاً، و تزداد غرابته حين يتعلق الأمر بالخليفة العباسي أبي جعفر المنصور .
تأتي قصيدة ( نبوءة أروى القيروانية ) لا لتروي علاقة الفتى المشرقي المتعطش للفتوحات ، و امتشاق سيف الغزو ،و اكتساب أراض جديدة ..و الجميلة أروى  القيروانية المغاربية  ( المجللة بالبهاء الخرافي ) ص 53/56 و لكن جاءت كوميض مؤشر  و دال على أنّ ما يجمع المشرق و المغرب العربيين ليس أقل و لا أكثر من الحب
هذا الإكسير الذي بدأ معينه ينضب ، و لا أقول يندثر ..لأنّه إكسير الحياة الأبديّ ...فإن جاء المشرق يبحث عن أرض للفتوحات فقد وجد من يغير بوصلة الاهتمام و الشّغف و الطّلب و الكلف و جد الحب في صورة أروى القيروانية ،و رضي بصداقها الصّعب ، لينال ودّها ، و يحظى برضاها ....و لذلك ورد في القصيدة : ( و في البَدء / ما كان في الحلم مُتّسع / للهوى و النّساء / فقد كان حلم الفتى / أن تلينَ له الأرض / أو أن يؤلّف بين لونين / في دمه / لم يكن جرّب العشق حتى رآها / مجلّلة ببهاء خرافي) ص56
إلى أن نقرأ من نفس القصيدة : ( لما تجلّت / رأى الأرض / تتجمع ما بين أعطافها / تنطوي ما في يديه على مائها ،ثمّ تبسط أطرافها/ يشاهد النجم حطّ على راحتيه / هي الأرض / معقودة في نواصي النّساء .) ص56/57 تلك هي النبوءة اللا معلنة  التي جعلت الخليفة العباسي يخضع لسلطان الحب صاغراً طائعاً و يستجيب لصداق لا يطيقه خليفة جُمعت له قُدرات و إمكانات غير عادية ..حتّى أمسى يخطب ودّ أروى القيروانية قائلا : ( أعلّق ما بين ماءين / أرجوحة للجميلة / ماء زرود / و ماء الفرات / فقولي نعم كي أمدّ لهودجك الظل / ما بين شطّ الجريد / و شطّ العرب . ص58
         و ينتقل الاستيحاء الجميل ،إلى روعة المكان ، إلى أرض الجمال ، أرض الأندلس . و يتلخص الحدث الشّعري في التّصدير التّالي : ( إلى الشّاعر الأندلسي '' لوركا '' من وحي زيـــــــــــــــارة إلى بيته في ضواحي غرناطة ، فتنهل ذكرى المكان : ( أندلس ، الحمراء ، جنات العريف ) فتزداد الحيرة ، و تنعقد صولة القصيدة : ( من أي أندلس أجئ / لكي أفتّح للقصيدة بابها / إذ كلما فتحت باباً في هواها / قادني خطأ / إلى معنى معمّى .) ص69 و تتفاقم الحيرةُ و يكبر السّؤال كما في التّالي : ( و بأيّ أندلس أحلّ / و بالقصيدة / حيرة القول المراوغ ...) ص70 و يتكرر ذلك في قصيدة  ( مرسى الهوى ) حيث ضاحية مرسى البحر ،و مقهي الصّفصاف، و الجَملُ الذي يدير ناعورة البئر بها ، و جوها التّونسي السّاحر.
         و ننهي تتابع الإيحاءات بقصيدة ( فتى ضيعته الفتـــوة ) و هي  قفزة في الماضي البعيد ,لمعانقة طرفة بن العبد ، في عهده البائد المتناسي ...فتنهل أيضاً من تراثه كلمات جلّلت قصائده و أنارت رؤيته للموت...من ذلك: ( خولة ، الركب ، المطايا، أعمام ،الموت، حفلة الدّجن ،الشّراب ،الوشم ، ظاهر الكف) و لعلّ أبرز ما في شعر طرفة فلسفته الرؤيوية للموت ، فتبلورت في القصيدة بشكل من الوضوح الفني الهادف : ( سيّان ما بين موتين في الموت / قد كان يدرك بالقلب ما في الرسالة / سار على موته شادياً /فللموت / حين نخافه طعم الهوان / و للموت /حين نريده طعم التّحدي .) ص134

        الخلاصة . إنّ نصوص الديوان، تعاملت مع الأسطورة في صورة الحيوان ، أو الخرافة ،و الحكي المثولوجي،ّ  أو غرائبية الحدث التارخي ،أو الأثر المكاني ،أو الوضعية الشّخصية و ما إلى ذلك  تعاملا أساسه الإيحاء، و الاستئناس من أجل شكل شعري فني artistique La forme poétique فإنْ وظفت الأسطورة توظيفاً ماضوياً هنا ، فهذا لا يعني أنّها ماضوية ،ّذلك أنّ جمالية الإبداع ، تفيد حسن التّلقي، بأنّ ما كان ، يمكن أن يكون بما يوحي به من رؤى و إشراقات. و الأهم ّليس في تكرار الحدث ، و لكن  ما يمكن أن يثيره في ذهن المتلقي . و القصائد المؤسطرة في ديوان '' ذاكرة الطير '' للشاعرة جميلة الماجري ، استطاعت أن تفيد ، و أن تأتي بكل هذا، و أنْ تحقق التناغم المنشود بين الجماليــــــــة الشّعرية ، و جمالية الرؤية الإبداعية .في إطار ما يعرف بالتّخييل الشّاعري La fiction poétique ; محقّقة بذلك مدخلا متجانساً للنظرية التّأويلية التّداولية المعرفية التي تعتبر التّخييل من مظاهر التّواصل  .


د مسلك ميمون