الشّعـر المغربي الحديث
و بـؤس النّـقـد
د مسـلك ميمـون
لـم يعـرَف مـن فنـون القول ، أو من الفنـون الجميلة الأخـرى ، فـنّ ازدهـر ، و انتعش ، فـي غيـاب النّـقد . لقـد كـان النّقـد عصب الحيـاة و الاستمرار ، لكل حـركـةٍ إبداعيـة . بـل كـان دعـامة النمـو المطـرد ، و سنـد الابتكـار المـنفرد ، عبـر مختلف العصور . لمـا لـه مـن معـايير موضـوعية ومقومـات واقعـيـة فيمـا يخصّ التفسيـر و التقويـم ، والتحليـل و التوجيـه السليـم … و تلك عمليـة خطيـرة ينبغـي أن يأتيهـا النقـد بكل جـرأة و فاعليـة بنـاءً على الحيدة المطلقـة ، و استصدار الآراء وِفقَ المـعاييـر الأدبيـة الخـالصة .
و لربمـا يقـال : و مـاذا عـن الشّعـر المغـربي الحديث ، ألا يشكـل استثنـاءً ؟
فـأقول : إنَّ حـالة الاستثنـاء هذه ، لا تكـون ـ قطعـاً ـ فـي مجـال الإبداع . لأنَّ عمليـة الإبداع لا تكـون مـن فراغ.و لـم تكـنْ فـي يومٍ ما وليدة ارتجالٍ أو مصادفـة . بـلْ هـي ـ دائمـاً ـ نتيجـة مخـاض أولـي نـاتج عـن عمليـة : التـأثيـر و الاستجـابـة ، و الرَّغبـة و الاستـزادة ، و الدِّراسـة و الاستفـادة … و مـن تـمَّ كانت أهميـة النقـد حـاسمـة و أسـاسيـة . لإضـاءة كل عتمـة ممكنـة ، و جـلاء و إظهـار كـلِّ خفيـة غـامضة .فالنقـد لا يعـدو أنْ يكـونَ إبـداعـاً آخـر فـي نسقيـة عقـلانيــة فنيـة . محققـاً معـادلـة صعبـة ، لا يفيهـا حقَّهـا إلاَّ امـرؤ منطيـق ، حبـاه الله سلطـة العقـل ، وفضيلـة العلـم ، و موهبـة الأدب و الفـن .
و بذلك لـم يكـن الشعـر المغـربي الحديث استثنـاء . فلقـد بـدأ متـأثـراً بالشعـر العربـي في المشـرق . فنهـل منـه إلى حـد الثمالـة ، فاقتفـى خطاه ، منتهجـاً طرائـق إيجـابيـاته و سلبيـاته . فـلم يظهـر فـي سلـم الإبــداع إلاَّ مـن أحسـن التَّقليـد ، و أجـاد التكرار و الترديـد ، فالكلُّ انسـلَّ مـن عبـاءة السيـاب و البيـاتي و نـازك الملائكــة و عبـد الصبـور و حجـازي و أدونيس …فـاصبح نتـاج هـؤلاء الرواد هـو المقيـاس و النمـوذج لكل كتـابـة شعريـة خلال عقدي الستينيات و السبعينيـات ، و قـد يكـون هـذا أمـراً بديهيـاً طبيعيـاً ...غيــر أنَّــه فـي غيــاب النقـد ، الذي ظـل ـ و لوقتٍ طويـلٍ ـ ينتظـر ـ بتقـاعس ـ تـراكم الإنتاج ، ووضـوح الرؤيـة ، و بـيــان النوايـا ظهـرت أعمـال ( شعريـة ) متهـافتـة منزعجـة و مزعجـة ، لا تمـتُّ للشّعـر بصلـة ، اللّهـم عـبـارة : ( ديـوان شعـر ) علـى الغـلاف !! و تسلّـق منبـر الإلقـاء ( شعـراء ) و مـا هـم بالشّعـراء !! لا يملكـون إلا نـبرة الإلقـاء تقليـداً لدرويش أو أدونيس أو نـزار … (1) فغرق الشّعـر و الشـّاعر فـي المغـرب فـي متعـة التّقليـد و لـذّة الاجترار . فلـم يتميـز مـن ذلك إلاَّ طـائفـة قليلـة ، استطاعـت أن تقلـد و لكن بذكاء، و احتراس، و نبـوغ … لأنهـا عمَّقتْ دراستهـا فـي مجـال الشّعر و الإبـداع و النَّقـد و التَّحليل . و لكـن لا يمكـن أبـداً أنْ نجعـل من هذا الاستثناء وسيلة تشفع للشّعر المغربـي بعض رتـابـة مساره ، و فتـور عطـائه ، و انكفـائـه و نمطيتـه … لأنَّ الرواد الذين تميـزوا بعطائهم يعـدون علـى رؤوس الأصـابـع فلقـد مـرَّ عقـد الستينيـات و لـم يخلف لنـا مـن الأسمـاء إلاَّ : أحمـد المجـاطـي ، و محمد الخمَّـار ثـمَّ محمـد السرغينـي و عبد الكريم الطبـال . ( و فـي اعتقـادي أنَّ جيـل الرواد فـي المغرب واكب تحولات سياسيـة و اجتمـاعيـة خطيـرة و استطـاع كـلّ شاعر من هـؤلاء بحسـب قـدرته و كفـاءتـه و مـوهبتـه الخـاصة أنْ يبلور هـذه التحولات و يعكسهـا فـي شعـره ، لقد استطاع المجـاطي إلـى حـدٍّ مـا أنْ يعكس تجربـة التّطـور التّـاريخـي و الاجتمـاعي و السيـاسي في المغـرب بحساسيـة مفـرطـة ، و برهـافـة كبيـرة ، و بطبيعـة الحال مـن موقـع سيـاسـي و فكري محـدود ، و كذلك فعـل الخمار والسرغينـي إلـى حدٍّ مـا .
و إنْ كـان السّرغينـي يسبح فـي صوفيـةٍ و في تجديدٍ مغـرق الحداثة. علـى العكس ، شعـراء السبعينيـات لـم يستطيعـوا أنْ يتعمَّقـوا التجـارب الاجتمـاعيـة، بـل إن محـاولـة رصدهـم لهذه التّجـارب بقيـت في مستوى الشّعـارات ، و الفرق كبيـر بيـن الشّعـر و التّغنـي بالشّعـارات . ) (2) إنصافاً للواقع الأدبـي أقول:
لم يكن كلّ شعراء السبعينيـات شعراء شعارات ، لقد حـاول بعضهم التّميُّـز بشعره ، بـل منهم من انفـرد باتجـاه خاص (كجماعة وجدة ) (3) أو ( أصحاب الثقافـة الجديـدة ) (4) و لكن هذا ـ أيضـاً ـ لا يعنـي أنْ ليس هنـاك، أنصـاف الشّعـراء ، والمتشـاعريـن و أتبـاع هؤلاء و أولئك . و ذلك مرده لغيـاب النّقــد الموضوعي الفنّـي فمـا كان فـي فترة السبعينيات لا يخرج عـن إطار النقـد الإيديولوجـي أو الإخوانـي التّعاطفي و إن كان فـي جميع الأحوال يتمظهـر بمصطلحـات لمنـاهج علميـة ، و يستشهـد بـأقوال رواد فـي مجـالاتهـم العلمية و الفكريـة . و لكـن ذلك لا يغني عـن الحق شيئـاً ، إذ سرعـان مـا ينكشف النص النّقـدي عـن فـراغـه المهـول :فلا المصطلحات وظفت توظيفـاً علمياً كمـا أريـد لهـا أوّل مـرّة ، و لا الأقـوال تنطبق على النّص الإبداعـي ، إذن ؛ فمـا المـراد مـن نـص نقـدي بـلا طعـمٍ و لا لـون ؟
بل ليت شعـري ، مـا ذا كـان نقـد الشّعـر يلتمس فـي جسم القصيـدة ؟
هلْ كانت القصيـدة الحديثة تعيش مـأزق الكتابة ؟ أم مأزق التواصل ؟ أم مـأزق النـقـد ؟
أسئلة و مـا أكثـر الأسئلة التـي بقيـت معلَّقـة منـذ السبعينيـات ، و أحسبها ستبقـى طويـلاً مـا دام هـنـاك نفـور مـن الجـواب ، أو عدم القدرة على مواجهـة العوارض و الأسبـاب . إنّـه ليتضح بجـلاء أنَّ النقـد المغربي الحديث ،خلق حبيس الأسئلة ، و كـأنَّ الأمـر إشكـاليـات و قضايـا فلسفيـة ، تتنـاسل مـن أسئلتهـا اللولبيـة.
غيـر أنَّ الأمـر خـلاف ذلك ، إذ كـان على النقـد أن ينصب علـى النص الإبداعـي ، و أن تكون أسئلتـه مـن صميـم إشكاليـات النص و معطيـاتـه . إنَّ طـرح الأسئلـة القبليـة معنـاه الانطـلاق مـن أفكـار جاهـزة لهـا وطـأتهـا و تـأثيـرهـا ، فقـد يجيـب عنهـا النص أو يستجيب لهـا ، فيكـون الثنـاء و الاستحسـان . و قـد لا يجيب عنهـا أو لا يستجيب لهـا فيكون الاعتراض و الاستهجـان . و هـذا مـا لمسنـاه فـي كتـاب د . محـمد بنيس :
( ظـاهـرة الشعـر المعـاصر فـي المغـرب ) أول كتـاب فـي نقد الشعـر بطـريقـة منهجيـة علميـة فـي المغـرب . فهـل بعض نقـط نقصه جـاءتْ نتيجـة كونـه أول محـاولـة فـي هـذا الإطـار ؟ أم تـرى سـوء تـوظيـف المنهج البنيـوي التكوينـي ؟ أعتقـد أنَّ كـلّ هـذا وارد فـي الكتـاب بشكل أو بـآخـر .
فـإنْ كنّـا مع تـوظيف مستجدات النظريـات النّقـديـة ، و المنـاهج العلميـة ، و محـاولـة تطبيقهـا و الاستفـادة منهـا … فـإنّنـا نعلـم أنَّ كـل ّوافـدٍ دخيـلٍ على ثقـافتنا، و أدبنـا، و حضارتنـا ، لـه خصوصيـات ،قـد لا تنطبـق و مـا عندنا . كما نعلـم أنَّ المنهـجَ الذي وضـع خصيصـاً لعلمٍ مـن العلومِ ، فإنّ مصطلحاتـه لا يجـوز أنْ تصبحَ عُملـة رائجـة فـي كل المياديـن دون مـراعـاة دلالتهـا و أبعـادهـا التي تحيــط بـأشيـاء ،و تغيـب عنهـا أشيـاء . كمـا أنَّ اعتمـاد منهـجٍ مـا ، ينبغـي أن يكـون لـه نتـائج مـوضوعيـة لا افتـراضيـة ، دون أنْ يهمَـل طـرف هـام مـنْ أطـراف العمليـة الإبـداعيـة .
إنَّ اختيـار د.محمد بنيس المنهج البنيوي التّكويني كـان مـن بـاب الإعجـاب . و لا ضير فـي ذلك . و لكـن الإعجـاب لا يعنـي الممـارسـة النقديـة . لقـد وجـد النـاقد نفسـه أمـام الاختيـار الصّعب حيـن لـم تسعفه الوسيلـة . فإمّـا أنْ يتخلـى عـن منهـج ملك عنـه تفكيـره و اهتمـامـه ، و إمـا أنْ يتصـرف بعنـاد فيحتطب مـن هنـا وهنـاك ،تحـت مظلـة المنهـج البنيوي التكـوينـي مثـلاً :
لقـد وظـف مصطلـح : البنيـة العميقة ، و هـو مصطلـح مـن مصطلحـات النحـو التحويلـي ، لم يتقيـد بنيس بـدلالتـه النحـويـة ، فعـرفـه تعـريفـاً خـاصـاً بـه : ( و نقصـد بـالبنيـة السطحيـة مجمـل المظـاهـر الخـارجية للنص و تشمـل اقتصـاد النص مـن النواحـي الزمـانيـة و البصريـة و النحـويـة ، نظمـاً وصرفـاً و البلاغيـة ، أي مـا يركب النص كلغـة ذات خصـوصيـة فـي المجـال العـام للغـة ) ص 40/39
و كذلك مصطلـح : متتـاليـات النـص و هـو مصطلـح آخـر أخـذه بنيس مـن شـومسكـي و تـدوروف دون أن يتقيـد بدلالتـه ، بلْ عـرفـه هـو أيضـاً تعريفـاً خـاصـاً : (و ما المتتاليـة عندنـا إلاَّ وحـدة لغـويـة متجـانسة نحـويـاً و دلاليـاً ، داخـل النص الشعـري . وقـد تشمـل بيتـاً أو مقطعـاً أو نصـاً بكاملـه .) ص113
لهـذا نلاحـظ أنَّ : البنيـة السّطحيـة ، و البنيـة العميقـة ، و المتتـاليـة هـي مـن مصطلحـات المنهج البنيـوي العـام و لا تخـص المنهـج البنيوي التكـوينـي الذي طبقـه بنيس و ذاك مـا دفعـه إلـى البحث عـن دلالات جديدة لهذه المصطلحـات .
فـإذا تجـاوزنـا المنهج و عدم التزام النـاقد بـخطـواتـه وبعض مصطلحاتـه . فـإنّنـا نعجـب مـن طريقـة اختيـاره لنمـاذجـه الشعـريـة إذْ حدد شعـراء البحث فـي أحـد عشـر شـاعـراً . كيف تـمَّ ذلك ؟ هـذا مـا لا يجيب عنـه البحث . بـل إنَّ البحـث يغـرق فـي الخطـأ و يمعـن فيه حيـن يجعل الشعراء الأحـد عشر يشكلـون وحـدةً متجـانسـة ( انظر الصفحات 25،113،198،283،339 )
و عمـومـاً فـإنَّ كتـاب د . محمـد بنيس محـاولة لتطبيـق المنهـج و لكـن بطـريقـة عكسيـة لا نـوافقـه عليهـا وهـي إخضـاع الشعـر للمنهـج ، و كأنـي بالبـاحث يسعـى جـاهـداً لخـدمـة المنهـج لا الشّعـر . و ذلك وجه من وجوه بـؤس ا لنقـد. أمـا الوجـه الآخـر فيتمثـل فـي إهمـال دور الشّاعـر المبدع و كأنَّ النصَّ كَتب نفسـه بنفسـه ، إلاَّ فيمـا يمـكِّـنُ مـن اتخـاذه معبراً ليس إلاَّ .
و فـي دراسـة لنجيـب العـوفـي (5) تحـت عنـوان : ( مـدخل إلـى دراسـة شعـر الشبـاب ) قسـم شعـراء المـغـرب كالتـالي :
1 ـ جيـل الريـادة التّـاريخيـة . الذي انطلق سنـة 1948 [ عبـد الكريم بـن ثـابت ، محمـد بـن إبـراهيم ، عبـد الرحمن الدكالي ، علال الفاسي ، عبد المالك البلغيثـي ، محمد القـرّي ، علال بـن الهاشمـي الفلالـي ، و محمد الحلوي .
2 ـ جيـل الـوسـط : محمـد الحبيـب الفرقـانـي ، مصطفى المعداوي ، أحمـد المجاطي ، محمد علي الهـواري ، محمد الميمونـي ، محمد السرغنـي ، عبد الكريم الطبال ، محمد الخمار ، أحمد صبري ، أحمـد الجوماري حسن الطريبق .
3 ـ جيـل الشعـراء الشبـاب أو جيـل السبعينيـات : أحمـد بنميمون ، محمـد بنيس ، محمد بنطلحة ، إدريس الملياني ، محمد الشيخي ، أحمد مفدي ، عبد العالي الودغيري ، المسكيني الصغير ، محمد الـولامي ، حسن الغرمي ، محمد الشعرة ، أحمـد بلبدوي ، أحمد الطـريبق ، ( تلاهـم ) عبد الله راجع ، الحجـام علال ، محمـد الأشعري ، منيب البـوريمـي ، آيت وارهـام أحمد بلحاج ، رشيـد المومني ، عبـد الله زريقـة ، عبـد الرحمن بـو علي ، عمـاد الدين سعيد ، المهدي أخـريف ، ( تلاهـم ) عبـد اللطيف الفـؤادي ، بنيحيى ، محمـد بودويـك ، محمـد السبـايلي .
و هكـذا و بــإصرارٍ و سـابـق تـرصـد ، وبدافـع مـن سلبيـات النقـد الإيديـولـوجـي ، يقصـي النـاقـد مـن بحثـه كـلّ الشّعـراء الإسلامييـن فـي المغـرب و كـأنّ لا وجـود لهـم و بخـاصّة : د حسـن الأمـرانـي ، و د . محمـد بنعمـارة ، و د . محمـد علـي الربـاوي . و يكتفي بالقـول بنـوع مـن التّملص: ( إنَّ اللائحـة ـ كمـا أسلفت ـ طويلـة و مـا تزال عباءتهـا فضفـاضـة قـابلـة لاستضـافـة طـاقـات شعـريـة وافـرة و الأسمـاء التي أشرت إليهـا هـي على سبيل المثـال لا الحصر . ) ص 5
وهذا لا يشفـع لـه فـي شيء ، مـا دام فـي مَـنْ ذكـرهـم مَـنْ كـان يـومئـذ لـم ينشـر ديوانـاً واحـداً ، بـل كـل مـا نشـرَ كـان فـي الجـرائد فقـط ، و منهـم مـن كـان لـه ديـوان يتيـم ظل ولوقتنـا الحـاضر كبيضـة الديك . بيـد أنَّ مـن الشعراء الإسلامييـن مـن كـان يومئـذ قـدْ تجـاوز الثـلاثـة دواويـن !! أليس هذا مـن بؤسِ النقـد الإديولوجـي ؟؟
و مـن حيث الدراسـة ، فهـو يحددهـا فـي الأبعـاد التـاليـة :
1 ) إشكـاليـة الـوعي الإديـولـوجـي :
أ ـ الـوعي الثّـوري القـريب مـن المـوضوعيـة .
ب ـ الـوعـي الثّـوري القـريب مـن الـذاتيـة .
2 ) إشكـاليـة الوعـي الشّـعري :
أ ـ فـئـة ذات وعـي محـكم .
ب ـ فـئـة ذات وعـي شعـري متـوسـط .
ج ـ فـئـة ذات وعـي شعـري فـاتـر .
السـؤال الآن ، أيـن الشّعـر ؟ و دراسة الشّعـر ؟
لقـد استحـال كـل شيء إلـى مفـاهيم إديولوجيـة . لنتأمل ما كتب النّـاقد عـن إشكالية الوعـي الشّعري : (( إنَّ الرؤيـة الثّـوريـة فـي الشّعـر تقتضـي حتمـاً رؤيـة ثـوريـة فـي الوعـي الشّعـري ذاتـه هـذه مسلمة يعتبر تأكيدهـا ـ الآن ـ مـن نـافـلِ القول . و مهمـا يستتب الوعـي الإديولوجـي فـي الشّعـر و يتبلور فـإنّ تخلف الوعـي الشعـري عنـه يفقـد المعـادلـة تـوازنهـا و يقـصّ للشّـر أحـد جنحيـه و ينزل بـه مـن ملكوتـه الخـاص . و العكس صحيـح أيضـاً . إنَّ الشّعـر علاوة علـى كونـه نزوعـاً فطـريـاً و تجليـاً خـاصّـاً لا يتمّـان اعتبـاطـاً ، فهـو عـذاب أيضـاً ، عذاب مـع اللّغـة ،و الخيـال ،و الصّـورة، و الإيقـاع، و البنيـة التركيبيـة ، و جماع مـا يدخل فـي تلك العملية الكميائية المعقدة ، عملية خلق النّـص الشعري .)) (6)
هـلْ بهـذه الصيغـة ، و بهذه اللّـغـة ، يمكـن التعـامل مـع النص الشّعـري ؟؟ و هـل النص الشّعـري بيـان سيـاسي ؟؟ أو خطـاب إيديولوجـي ؟؟ و هـل المضمـون هـو الذي يشكل النص الشّعـري ، و يـؤطّره فـي بنيـة شعـريـة متكاملـة ؟؟
لا أذهب ـ كما ذهب البعض ـ إلـى القول بغياب النقد الشعري فـي المغـرب . و لا أدعـي أنَّ حضـوره كان مجديـاً . لانعدام فـاعليتـه ، وجدّيتـه ، و ضعـفِ تحليلـه و موضوعيتـه … لاعتماده الجـانب الإديولوجـي ، وإهمالـه لباقـي الجوانب الأخرى مـن العمليـة الإبداعيـة ، إلاَّ لمـامـاً و بشكـلٍ مبتسـرٍ و مقتضـب . و ربمـا غذّت هـذا الاتجـاه الصراعـات السيـاسية، و بخـاصة فـي فتـرة السبعينيات و بدايـة الثمانينيـات .التـي ظهـرت خلالهـا دراسـة مطولـة لحسن الطريبـق حول الشّعـر والشّعـراء فـي المغـرب نشرت بجريدة ( العلم ) نهـايـة 1976 و بـداية 1977 و قـد فضّـل البـاحث أن يـوظف المنهـج الوصفـي فـي النّقـد . فعلّـق محمـد بنيس علـى ذلك بقـولـه : (( فـالمنهج الوصفـي الـذي يمـارِس مـن خلالـه حسـن الطريبـق قـراءتـه للشّعـر المغربـي، لا يعـدو أن يكـون استنساخـاً لبعض المصطلحات و القيم النقـدية التقليديـة ، بعـد أن يمـازج بينهـا و بيـن المصطلحـات و القيـم النقديـة السّـائدة فـي المنهـج التّـأثري . إنَّ حسـن الطريبق يعيـد كتـابـة النص المقـروء بعـد أنْ يلغيـه . و يحـلّ محلّـه نـصـاً لا علاقـة لـه بـالنص الأول . و هـو إلـى جـانب ذلك يـعود إلـى
بعض الأحـداث التّـاريخيـة بـأسلوبٍ لا علمي ليبحث فيـهـا عـن سنـدٍ لمـا يطلقـه مـن أحكـام ، و مـا يقـدمـه مـن نتـائج . و مـن ثمَّ كـان هـذا المنهـج خليطـاً مـن المنـاهج ، تلتئـم فـي نقطـة واحدة ، و هي معـالجـة النص بـوعـي هامشـي ، لا يرقـى إلـى فهـم و تفسيـر المتـن الشعري ، كنتـاج لغـوي ذي بعـدٍ انطولوجـي و اجتمـاعـي ، لـه جذوره فـي الواقـع الإجتمـاعـي , )) (7) و بنيس فـي هـذه القـولـة لا يهدف إلاَّ النيـلَ مـن حسـن الطريبـق لأنَّ هذا الأخيـر سبـق و أن انتقـد مجـلة ( الثقـافـة الجديـدة ) التـي كـان مديرهـا المسـؤول محمد بنيس ، و الذي اعتبر النقـد ( هجـومـاً علنيـاً ) ضد الثقـافـة الجديـدة و أنصـارهـا . إذاً هـي تصفيـة حسابـات و لا عـلاقـة لهـا بالشّعـر . و الدليل علـى ذلك أنَّ بنيس لـ يـأت بشاهـد واحـد لكـي يحـاجَّ بـه حسـن الطريبـق . و اكتفـى ـ فقط ـ بـأنْ أ عـاب عليـه المنهـج الوصفـي و استفـادتـه مـن المنـاهج الأخـرى . و كـأنَّ بنيس كـان منزهـاً عـن هـذا ، و لـم يخلـط هو نفسه بيـن مصطلحـات لمنـاهج شتّـى كما أسلفنـا . و بالمقـابل فإننـا نجـد محمد بنيس يثنـي الثنـاء الأوفـى علـى من يجاري آراءه الإديولوجية التي كـانت تقليعـة تلك الفتـرة ، التي اتّسمـت بالاستلاب الفكـري . إذ نجـده يقـول عـن التيـار الاجتمـاعي ـ التـاريخـي ما يلـي : (( أمَّـا التيـار الاجتمـاعي ـ التّـاريخـي ، فـقـد كـان ومـا يـزال ، منـذ أواسـط الستينـات إلـى الآن ، سيـد الصّراع الثقـافي ، خـاصّـة بعـد أنْ أعطـاه كـلّ مـن عبـد القـادر الشـاوي ، و إبراهيم الخطيب ، و إدريس النـّاقوري و نجيب العـوفي ، قـوّة استطـاع بهـا اكتساح جــزء هـام مـن السّاحـة الثقـافيـة مـن نـاحيـة ، و فرضه علـى أنصـار المنهج الوصفي ، مـن نـاحيـة ثـانيـة . و هـو تيـار يؤسس منظـومة قراءتـه للنص الأدبـي علـى الرجـوع بدلالات النص إلـى خلفيـاتهـا الاجتمـاعيـة و التّـاريخيـة ، ضمـن رؤيـة تعتمـد مقـولـة الصّراع الطبقـي داخـل المجتمـع . إنَّ هـذا التيـار ركـز علـى سوسيولوجيـة المضمـون احتذاء بمـا قـام بـه محمود أميـن العـالم و عبـد العظيم أنيس ، و بعدهما حسيـن مروة ، و غيرهم بالمشرق و مستفدين مـن أعمـال لـوكـاتش و غـولدمـان بعد أن خضعت لمستويـات مـن وعيهـم الإديولوجـي و النقـدي . )) (8)
و مـرة أخـرى كلام أطلق على عواهنـه بدون شاهـد ، مـع تغييب للمـادة الأدبيـة . وهذا وجه آخر لبؤس النقـد .و تستمـر عمليـة التجـريب عبـر محطـات المنـاهـج المختلفـة : كالمنهـج التفسيـري ، و منهجـي تـيـن و بـوف ، و المنهـج البنيـوي و بخـاصـة الشّكـلانـي منـه . و يبقـى السّؤال : إلـى متـى يستمـر التجريب فـي غيـاب وعـي نقـدي ؟ و هـل المنهـج هـو سـرُّ الأزمـة ؟ أم الأزمـة فـي سـوء تطبيقـه ؟ أم فـي عـدم فهمـه و استيعـاب مصطلحـاتـه ؟ أسئـلـة … لا أزمـع مـن وراء طـرحهـا الـوصـول إلـى جـواب شـافٍ . ذاك أنَّ الجـواب ـ فـي مثـل هـذه الحـالات ـ يـزيد الطيـن بلـة . و بخـاصـةً و أنَّ نتـائج هذه التّجـارب الهزيلـة فـي نـقـد الشّعـر أبـانت عـن قصـور ،و أحيـانـاً عـن جهـلٍ تـامٍ بالعملية النقديـة . يـوضح ذلك بجـلاء د . حسـن لمنيعـي بقولـه : (( فـإذا كـانت المحـاولات الإبداعيـة تأخـذ صيغـاً تعبـيريـة جـديدة . و تجـريب العـديد مـن الأشكـال المستحدثـة ، فـإنَّ النقـد الأدبـي لا يزال عنـدنـا فـي مـرحلـة التشبث و التجـزئة و إن حـاول بعض رواده إظهـار ألوان مـن سراب المهـارات تحمل القـاريء علـى الاعتقـاد بأنهـم يمتلكون ثقـافـة واسعـة تخول لهم فـرض نظـرية أو منـاهـج متميـزة ، فـي حيـن أنهـم لا يعرفـون سوى قشور الأمور ، ولا يرددون سوى بقـايـا المذاهب النقدية الأوروبية التـي لازالتْ تختلـط لديهم )) (9)
مـن كلّ هـذا ، نـذهب إلـى أنَّ النقـد الأدبـي ، و بخاصّة فـي مجال الشّعـر فـي المغـرب ، لا يعرف أزمـة وجـود أو قلة … و إنَّمـا يعرف أزمة فكر و فن . بمعنـى أنَّ المقالـة التي تسود كلماتهـا صفحـات مـن كتاب ، أو مجلة ، أو أعمدة صحيفـة ... لا تقول ـ فـي النهـايـة ـ شيئـاً هاماً يخـدم الشّعـر . أو يفيـد الشـّاعـر ، أو يعيـن المتلقـي على فهم و تذوق الشّعر . كتابة بيضـاء ، انحيازيـة، أو عـدوانيـة . لا تـرقـى إلـى مستـوى النّقد البناّء . أحيانـاً لاعتمـادهـا مناهـج دون أخذٍ بعين الاعتبار خصوصية الشّعر العربـي . و أحياناً
ـ و لا عجـب ـ جهـل تـام بقواعـد الشّعـر ، و اهتمام كلّي بالمضمـون ، فتـأتـي المقـالـة خطـابـاً فـي الفكـر و الفلسفـة و الإيديولوجيـا و السيـاسـة و لا شـيء عن الشّعـر ، و خصائصه و مقوماتـه ...
و مـن تـمَّ كـان لـدينـا ركـام شعـري ، ستزيـده الأيّـام القـادمة ركامـاً آخـر فـي غيـاب نقـد شعري خالص . يزاوج بين الشّكل و المضمون فـي نسق جدلي ، و مبـدأ حيادي ، و رؤية مستنيرة تمكن مـن قراءات متعددة . لقد مرَّ زمن ليس بالقصير ، كنت أظـن أنَّ البليـة تخص نقدنـا المغربي.و إذا بي أكتشف أنَّ البلية عامّة و أعظم تشمل الوطن العربي . و لو لا خشية الإسهـاب لاستعرضت أقـوالاً كثيـرة لنقاد عرب تكـاد آراؤهم تتوحد ،إن لم أقل إنها موحدة ، فيمـا يخصُّ بـؤس النقد.فلنتأمل قول الناقد المصري : د.أحمد كمال زكي : (( لا أنكر جدب ما يبذله النقاد ، و عنـدنا ـ للأسف الشديد ـ و بخـاصة فـي المجـالات الأكاديميـة ، مـن لا يزال يعتبـر النقد شروحاً لغوية و تعليقات بلاغية هدفها تعليمي أكثـر من أنْ تنحو نحواً تذوقيـاً …و نجد من ناحية أخرى فئة من النقاد تتحدث بما لم يعرفه تراثنـا ، و استخدامها للاصطلاحات الأجنبية تبدو من ثم شهادة على وصولهـا إلى أروبـا و أمريكا … و لو فتشنا عـن أسلوب النقد عند هذه الفئة فسنجد أمامنا واحداً من عشرة يعرف مهمته و يوازن بين التراثيـة و العالمية … و أمّا الآخرون ، فهـم إمّـا عالـة على تنظيرات قرؤوهـا معرَّبة فلم يحسنوا فهمها ، و راحوا يتشدَّقون بهـا مقحمين المصطلح على غير ما وضع له .. و إمّا مستغربون فتنوا ببضاعة أوروبا و أمريكا فأقحموها على بضاعتنا بلا تمييز حتّى لقد اجترأ بعضهم على أخذ آدابنا القديمة ـ كبحث الصورة عند أبي تمام ـ بما أخذ به وليم بليك و توماس إليوت وإديث سينوبل ... إنّ الأدب فن و الدراسة الأدبية تحصيل علمي و قـد ترتب على ذلك فتح الباب أمام أي حامل للقلم للدخول في زمرة الأدبـاء ، و نجحت فئـة مثقفـة في معالجتها للأدب ـ من حيث هو فن ـ معالجة فكرية فوصِفت بأوصاف الأديب، مع أنّه يكون من الأجدر حقاً أن يوصف بالفلسفة : كزكي نجيب محمود و مصطفى سويـف . )) (10)
فهل يخـالف هذا الكلام ما قلناه سابقا عن النقد المغربي ؟ لا أظن ذلك . فبؤس النقد معضلة قائمة ، ما بقيت أزمـة الفكر و الفن في النقد الأدبي .
د مسلك ميمون
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ سئل النـاقد إدريس النـاقوري فـي بداية الثمانينيـات عن الشعـر المغربي فـي السبعينيـات فقـال : (( أرى أننـا حينمـا نتحدث عـن شعر السبعينيات فـإننـا نرفعـه إلى مستوى الشعـر بصفـة عـامـة بينمـا هـو مـا يزال محـطَّ نقـاشٍ لأنـه مـازال لم يتبلور بعـد سواء مـن النـاحيـة الفنيـة أو الفكريـة . )) انظر مجلـة آفاق . العدد السابـع مـارس 1981 ص 5
2 ـ انظر إدريس الناقوري مجلة آفـاق العدد السـابع مـارس 1981 ص 17
3 ـ و يراد بهـا : د. حسـن الأ مـراني ، و د. محمـد بنعمـارة و د محمـد علـي الربـاوي الذين نهجـو نهجـاً إسلاميـاً فـي الشعـر .
4 ـ المراد بذلك : د . محمـد بنيس ومـن كانـوا يكاتبون مجلتـه ( الثقـافة الجديـدة )
5 ـ مجلـة أقـلام العدد السـابـع ، فبـرايـر 1979 ص 1
6 ـ أقـلام ، العدد السـابع ، فبرايـر 1979 ، ص24
7 ـ محمـد بنيس ، الثقـافـة الجديدة ، العدد العـاشر ـ الحـادي عشـر ، السنـة الثـالثـة ، 1978 ص47
8 ـ نـفس المرجع ص47، 48
9 ـ نفس المرجع ص 67
10 ـ حوار مع الناقـد د . أحمـد كمال زكـي ، الفيصل ، العدد 45 ربيع الأول 1401 هـ السنة الرابعـة ، ينـاير / فبراير 1981 ، ص54 ،55
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق