السبت، 18 فبراير 2012




ديوان '' اغتراب الأقاحي ''
بين الشّكل الشّعري و الذّاتوية
للشّاعرة فاطمة بوهراكة
د مسلك ميمون

الشّاعرة فاطمة بوهراكة من مواليد مدينة  فاس المغربية في 13 فبراير 1974  عضو مؤسس لمحترف الشّعر المعاصر بكلية الآداب ظهر المهراز/ فاس سنة 1996
رئيسة جمعية دارة الشعر المغرب.و رئيسة تحرير مجلة أوتار العربية www.awttar.com
 
عضو حركة شعراء العالم بجمهورية تشيلي. و عضو رابطة أديبات الإمارات.

* نشرت إنتاجها الشّعري بعدّة جرائد ومجلات وطنية ودولية منها : الميثاق الوطني , الحركة , الزمن , شبابيك المالطية , الراية القطرية ،عشتاروت اللبنانية ,الأهالي و الحقيقة العراقية ,زهرة الخليج , الحركة الشّعرية بالمكسيك ....* شاركت في العديد من الملتقيات والمهرجانات الشّعرية منذ سنة 1996 وإلى يومنا هذا * ساهمت في إنجاز أربع دواوين مشتركة وهي:
-
احتراقات عشتار 1995-  غدائر البوح 1996- وشم على الماء 1997-  بهذا وصى الرمل 1998 و لها ديوان شعر تحت عنوان ''اغتراب الأقاحي'' في طبعتين مترجم إلى اللّغة الفرنسية، صدر عن مطبعة أمبريال بالرباط عام 2001م. و ديوان ''بوح المرايا''، مترجم للّغتين: الفرنسية والإسبانية، صدر عن مطبعة أنفوبرانت بفاس عام 2009م.
*
كما أصدرت شريطاً شعرياً .
·       و هي صاحبة فكرة '' الموسوعة الكبرى للشّعراء العرب '' التي انطلق العمل عليها بتاريخ 1 يوليو 2008 و صدر الجزء الأول منها.
·        أجريت معها عدة لقاءات صحفية وطنيا وعربيا : بمجلة شبابيك المالطية , إيلاف السعودية , النور العراقية , النصر الجزائرية , التجديد المغربية .... تلك هي الشاعرة فاطمة بوهراكة و ذاك مجال نشاطها و إبداعها الشّعري و لكن ماذا عن ديوانها ''اغتراب الأقاحي'' ؟
 إنّ المتتبع لكتابة الشّاعرة و منذ البداية في أواسط التّسعينات و إلى الآن . يلاحظ التّطور التّركيبي اللّغوي ، و بلورة الهاجس الدرامي. قد يبدو هذا أمراً عادياً بالنسبة لشاعرة تتلمذت على نتاج شعراء كبار من مدينتها العريقة فاس ، أو من المغرب و العالم العربي عامّة إلى أن أصبحت لها بصمتها الخاصّة . إلا أنّ التّميز في كتابة هذه الشّاعرة أخـــــــذ طابعاً يعتمد :

1 ــــــ الشّكل الشعري الفني.La forme poétique artistique )السنن اللّغوي:صوت ، تركيب،معجم،دلالة) و هذا ما يحقّق النّظرية الجمالية في ديوان( اغتراب الأقاحي).الـذي صدر سنة 2001 عن مطبعة أمبريال بالرباط وتمت ترجمته إلى اللّغة الفرنسية من طرف الشّاعرة الأستاذة فاطمة الزهراء العلوي . يقع في ثمانين صفحة من الحجم المتوسط.وأنجزت لوحة الغلاف الفنانة التّشكيلية المغربية المهاجــــرة نعيمة الملكاوي و قد زاوج بين الشّعر و الرسم بمساهمة الفنّان التّشكيلي عبد القادر بوطافي.و قدم له بكلمة قصيرة د محمد السرغيني.

1/ 1 ـــــ  الملاحظ في الوجهة البنائية والأسلوبية أنّ الجمل الاسمية تتصدر العناوين. بدءا من العنوان الرئيس، إلى آخر عنوان نص في الديوان :( أقاحي الاغتراب) [ لم السفر، همس على الأطلال، حكاية نورس حزين ، متعبة ، عتبات اللاوعي ، ثلاثية الجرح و الوداع ، تولوز و الذاكرة، زغاريد ولادة مؤجلة، عشتار لحظة النار، عيناك قساوة كبرى مرثية على قبر هابل، عتبات الجرح الأخير، بكاء آخر اللّيل، رقصات الجسد العاصي، في مهب الرّيح، همس على الأطلال، كلام الصّمت ]
و هذا يبدو أمراً غريباً في أغلب ما تختاره الشّاعرة  من عناوين لمعظم النّصوص كما هو في الديوان الثّاني (بوح المرايا) . بل الجمل الاسمية تكثر و بشكل لافت حتّى في أشطر النّصوص .. و بطبيعة الجملة الاسمية الابتداء بالاسم لفظاً أو تقديراً يليه الخبر ليحددا معاّ معنى محدّداً.فاستخدام المركب الاسمي في الديوان، من حيث طرفي الإسناد:المبتدأ و الخبر مسند و مسند إليه . و إن كان الأصل أن يتقدم المسند إليه (المبتدأ) إلا في حالات سياقية أسلوبية .. فهذا يحيلنا على ما تفيده الجملة الاسمية من ثبات و دوام و تأكـيد للمعنى على عكس الجملة الفعلية التي تفيد التّجدد و الحدوث ..
انشطار
شيخوخة
طوفان
نورس ما هاجر يوما ذاكرته
قابعا في ثالوثه الأعمى :القصر الكبير / الرباط / البيضاء

1/2 تعــــــــدّد الصّيغ Polymodalité
ما من نصّ في الديوان إلا و تتعدّد صيغه بحثاً عن دلالة أعمق ، و رؤية أدق، و صورة بلاغية رائقة ، من ذلك أسلوب التّصغير: في قصيدة ( لكل هذا الألم أرفض كينونتي) :
( قتلت لحيظة الفرح/ أنقش الحناء فويق الورق) و من ( عبور إلى المشتهى ): (وقيت التّمرد الطويل /  وقيت الخلاص) و في ( ثلاثية  الجرح و الوداع ) : (فويق النّسمات ..)

1/3 صورالتّعبير الغرائبيةExotique   و تتخلل أشطر النّصوص ، صور ليست انزياحية فقط في تركيبها ونسقها بل تتّسم بالغرابة في تأمّلها و استنطاقها وتأويلها:
فمن ( كلّ هذا الألم أرفض كينونتي ) :
في الما بين 
وجدتك تتنفسين الآهات
ترحلين من رحم أمي 
في عوالم الغضب 
الموشوم بلغة الاحتضار 
تتلذذين جرحي العتيق 
في صمت راحته النسيان 
و من (بوح الصمت ) :

ذاكرة الأمس تهجرني
كوشمة مطرزة
على الماء
المنساب من أصابعي
الحبلى برحيق
الزمن
1/4 اللّغة المجازية  langage Figuré  لا يمكن أن نتصور نصاً شعرياً خالياً من اللّغة المجازية ،فهي التي تشكل الصّور الشّعرية ، و تؤطرها تخييلا  و تلميحا و تأملا ...و نصوص هذا الديوان بفضل الرمز و التّراكيب الغرائبية ،والتقديم ،و التأخير،و التّكثيف اللّغوي، و التّلميح ، و الإشارة ، و الانزياح écart ... قد حافظت في معظمها على نسقية مجازية كما سنلاحظ ذلك لاحقا .

1/5 الرموز Symboles بالعودة إلى فترة كتابة قصائد الديوان أواخر التسعينات . كانت مسألة الرمز طاغية على الشعر المغربي بخاصة ، و الشّعر العربي بصفة عامّة . و كانت الرموز الإغريقية و الفرعونية  و البابلية الأشورية، و العربية ، و التّريخية .. أكثر الرموز توظيفاً في الشّعر، فلا غرو  إن جاءت نصوص هذا الديوان تمتح من ذلك :
من ( بكاء آخر الليل)
تحكين خرافات شهرزاد .
و من ( مرثية على قبر هابل )
و سزيف بداخلي
و من ( عشتار لحظة النار) بتصرف
عشتار الصغيرة تحلم برمسيس
تخاف عليه من الآلهة
رمسيس يتنفس
يحيى بقلب عشتار
بابل السمراء شاهدة
تحتضن عشتار بقوة
بعذاب رمسيس وعشتار
ضاحكة أمام الآلهة
وبداخلها طوفان ..تكسرت المرآة الجميلة عشتار تبكي / تضحك
ترفض رمسيس بقوة
ومن ( عيناك قساوة كبرى )
جدار برلين يؤسس ديكتاتوريته

هذا فضلا عن الرموز اللّغوية الأخرى كالنّورس في قصيدة (حكاية نورس حزين )
1/6 النّسق التّصاوتي  Système isophorique ما دامت النّصوص قصائد نثرية فلا مجال للحديث عن الوزن و التّفعيلة إلا ما جاء عفواً و بخاصة تفعيلة المتدارك في بعض الأشطر .
لهذا ينبغي اعتماد النّسق التّصاوتي على النّبر و التّنغيم l’intonation  فضلا عن الموسيقى الداخلية التي أساسها جرس الحروف و تناسق الكلمات :
 لنتمعن في توالي جرس حرف النّون في هذا المقطع :
(متعبة أنت يا أنا / لحظة الوعود /تكتبين نهاية الألم/المدفون/في ذاكرة الزمن التائه بين الجدران/متعبة أنت يا أنا )
و حرف الجيم و كيف تكرر في هذا المقطع : ( اغتراب يؤثث جنازتي/ووجه يسامر وجها من خيال/يحتضر القلب وراء الزجاج )
و حرف الألف و ما جاء به من نفس تصاعدي في كلمات تكاد تكون متلاحقة كما هو في قصيدة ( تولوز في الذاكرة ) : ( الذاكرة، أيها، الدامي، خطاياك، دوران، عار، نظرات، دافئة، تهاري، القناع،ذاكرتي،يراع، الكلمات، الذكريات، الشارع، يعكس، يعاند، المتلاشي، اللامتناهي، مينائك ، ضاعت، غدائري ) و نفس الشيء يتكرر في نص ( ولادة مؤجلة )

عموماً هناك توظيف لهيمنة الحرف الواحد، أو الحروف المهينة la dominate وســـــط اختلاف و تنوع من الحروف المتناغمة، الشيء الذي يؤدي إلى انسجام صوتي ، تنتج عنه هرمونية موسيقية ، قوامها الحرف و مدى تناغمه في هيمنته أو تكراره .

2 ــــــــ  الذّاتويـــــــة  La subjectivisme
2/1 عامل/الذات Actant / sujet  القصائد في معظمها، إن لم تكن كلّها تتمركز حول الذّات (أنا) لا إعجاباً بالذّات و تمجيداً لها . و لكن استقطاباً و لفتاً للانتباه لما يعتمل في هذه الذّات من حزن و ألم ، و تطلع و حلم .. هذه الذّات/الرمز التي هي ذات جماعية قد تحتفي بأجيال شابة ، في تطلعات و أحلام الشّاعرة التي لم تكن إبّان صدور الديوان قــــــد تجاوزت عقدها الثاني إلا قليلا. فتأتي القصائد ترصعها ياء المتكلم بشكل يذكر بالذّاتوية ــــ التّركزية  Subjecto- centriste ففي قصيد ( متعبة) مثلا و بتصرف :
تبارحني أنشودة لهذا
الزمان
تؤثتني هذه الجنازة
الضاربة في عمق الجسد
تقطع شهيتي ليلة لون دمي ...لا لون
شراييني مدججة بالعطاء
ساعة الجحود
متعبة أنت يا أنا
لحظة الوعود
تكتبين نهاية الألم
المدفون
في ذاكرة الزمن التائه
بين الجدران
متعبة أنت يا أنا
و إنّ التّركيز على الذّات يفتح مزلاج أبواب الحزن الدفين. فتطفو الذكريات السّوداء ، و الهموم و الانشغالات،و الإحباطات وأشياء أخرى تدخل في إطار المسكوت عنه   le non dit أو البوح بالدّلالات المضمرة  Sous- entenduesلسبب أو آخر  ..
2/2 قتامة الحزن : ( اغتراب الأقاحي) هو عصارة حزن دفين. نتيجة الانكفاء على الذّات، و ذاك ما ذهب إليه الأستاذ د محمد السرغيني في مقدمة الديوان : (هذا الديوان .. يعرب عن ذات قلقة بسبب من وضعها الخاص في مجتمع ذكوري لا تستطيع فاطمة بوهراكة تغيير ما فيه من اعوجاع , ولأنّها كذلك , فقد انكفأت على نفسها واتسمت بكثير من الهواجس التي تنتاب من هو في عمرها . )
   و الإنصات لأنينها، و ملامسة جراحها...الشيء الذي أضفى على النّصوص قتامـة واضحة إنّ قاموس ألفظ الحزن والألم يبدو ثراً ،و متنوعاً، و يشكل وحدة معجمية لافتة:
مثلا في نص ( لكلّ هذا الألم أرفض كينونتي) :( الآهات، الغضب ، الاحتضار، جرحي، جرحينن، أغرق، وحدي ، الجحود، الغدر ، الخطيئة، ألمي ، الألم)
و من نص  (مرثية على قبر هابل ):( وحدي والشجن/ ساعة القدر / لا صديق لا رفيق / غير هذا الطريق / المعبد بالآهات / والحزن بحر / أمواج )
و الأمر لا يقتصر على الألفاظ ، بل و التّعابير الزّاخرة بصور الحزن .
خلاصـــــــــــــــة :

بعد هذا الطواف التفكيكي لبعض عناصر ديوان ( اغتراب الأقاحي ) دون الوقوف عند العتبات ( العنوان ، الغلاف ، الإهداء ) و الاهتمام بمكونات النّص في حدّ ذاته  يمكـن الإشارة إلى بعض الحيثيات التي لو توفرت لأضفت جمالية على النّص من ذلك :

1 ـ علامات الترقيم : فقد وردت و لكن في شكل نقط حذف في بعض النّصوص و غابت كلّ علامات الترقيم الأخرى و بخاصة الفواصل و النقط و علامات التّعجب و الاستفهام .

2 ـ و إن كانت النصوص تندرج فيما يمكن أن نسميه قصيدة النثر أو ( النثيرة ) كما يحلو للبعض أن يسميها . إنّ النص النثري الفني ما ارتقى إلى مستوى ( قصيدة ) حتى حافظ على نسقية معينة في التّركيب ، بيد أنّ بعض النّصوص انجرّت بعض مقاطعها و أشطرها  إلى الهاجس النثري العادي مثلا :( بكاء آخر الليل ) و ( عبور إلى المشتهى) و( لكل هذا الألم أرفض كينونتي ) ...

3 ـ الذاتوية إذ افتُقدت من النّص فقد خصوصية الشّاعر، و أصبح بدون هوية !!  و إذا توقف عندها ، يصبح دائرا حول نفسه و لا ينفتح على الآخر . بمعنى الشّخص يعيش لنفسه و لغيره لأنّ هناك مقاربة جدلية بين (الأنا و الآخر) و لكن حين يعمّ الشّعور بالذّات التّمركزية يهمش الآخر. و تبقى الذّات تجترّ نفسها. و كأنّها وحدها في الوجود . ففي النّصوص التي تضمنهـا الديوان ، حتّى حين تنفتح الذّات على الآخر، سرعان ما تعود لنفسها ليستمر التّمركز. لنتأمل هذا المقطع :
في الما بين 
وجدتك تتنفسين الآهات
ترحلين من رحم أمي 
في عوالم الغضب 
الموشوم بلغة الاحتضار 
تتلذذين جرحي العتيق 
في صمت راحته النسيان 
يسحقني هذا الانتظار 
يجعلني أغرق في اليم 
وحدي .
و عموماً (اغتراب الأقاحي) تجربة واعدة في إطار قصيدة النثر، مضت عليها عشر سنـوات كديوان منشور.و ربّما أكثر كمخطوط .و في هذا ما يكفي أن تكون الشّاعرة قد اكتسبت رؤى مختلفة،و طرائق جديدة و بنيات مختلفة ... و هذا ما نلمسه في ديوانها الأخير( بوح المرايا) الذي سنعود إليه بالدّراسة و البحث قريباً إن شاء الله. بحثاً عن الجديد و روح التّطور التي تنهجها الشّاعرة ، و بخاصّة أنّ الفرق بين نشر الديوانين ما يقارب تسع سنوات ...

د مسلك ميمون

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق